بقلم الدكتورة دارين فايز احمد زكي ناصيف: ذاكرة الأرض وهيبة الأغنية اللبنانية “هِلّي يا سنابل هِلّي.. هلي فوق بيادرنا. ع البيادر لم تطلي طلي بتشرح خاطرنا ….. يابنت هالارض السمرة من وين هالحلوة الشقرة.. سبحان من عندو القدرة يكفي القدرة ويحيرنا.. نحنا بعيشتنا رضينا وعاداتنا عليها ربينا… الله يعززها فينا لينسينا وليغيرنا…. هلي ياخيرات بلادي هلي اشكال والوان

بقلم الدكتورة دارين فايز احمد
زكي ناصيف: ذاكرة الأرض وهيبة الأغنية اللبنانية
“هِلّي يا سنابل هِلّي.. هلي فوق بيادرنا. ع البيادر لم تطلي طلي بتشرح خاطرنا ….. يابنت هالارض السمرة من وين هالحلوة الشقرة.. سبحان من عندو القدرة يكفي القدرة ويحيرنا.. نحنا بعيشتنا رضينا وعاداتنا عليها ربينا… الله يعززها فينا لينسينا وليغيرنا…. هلي ياخيرات بلادي هلي اشكال والوان “.. بهذا النداء الصوفي، يشرّع زكي ناصيف أبواب الروح على مداها. إنها ليست مجرد أغنية؛ بل هي تعويذة وجودية تُذكّرنا بأنّ الخير هو الأصل الأصيل. يتجلى ناصيف هنا كصوفي جليل يجلس على صخرة صلدة وسط بيادر الحنطة، لا يراها بعينيه فحسب، بل يتأمل أبعادها الروحانية؛ فمن رحم الأرض السمراء تطل الحلوة الشقراء (السنبلة) كرمز للتدبير الإلهي والوفرة. في فلسفته، ليس الرضا بالعادات جموداً، بل هو ذروة التصالح مع الجذور. لطالما كان للقمح رمزيةٌ مقدسة في الأديان السماوية؛ فهو ليس مجرد محصولٍ يُقتات به، بل هو رمزٌ للوفرة والبركة والتدبير الإلهي العظيم. يكمل نحن بعاداتنا رضينا هنا يكمن جوهر الرضا الوجودي؛ فالرضا بالعادات هنا ليس جموداً، بل هو تصالحٌ مع الجذور، واعتزازٌ بقيم الأرض التي علمتنا أن القناعة هي ذروة الوفرة، ومن الرضا ببساطة عاداتنا نصل إلى أقصى درجات الانشراح لخواطرنا. إن زكي ناصيف، عبر هذا النص، لا يغني للموسم، بل يغني للإنسان المتصالح مع انتمائه، ليؤكد لنا أن السعادة الحقيقية تبدأ من حيث تنتهي المقاومة العقيمة للواقع، ومن حيث يبدأ الرضا المثمر بما منحتنا إياه الأرض من قيمٍ وسنابل.
وُلد زكي ناصيف عام 1916 في أحضان بلدة مشغرة البقاعية، ليكون الابن البار لطبيعتها التي صاغت وجدانه الأول. هناك، تشربت أذناه موسيقى الأرض المتمثلة في الزجل والعتابا والميجانا. وفي عام 1936، شكّل انتقاله إلى (AUB) جسراً ثقافياً؛ حيث تعانق البيانو مع المجوز، وتآلفت النوتة العالمية مع المواويل العتيقة. هذا المخاض الأكاديمي أثمر شخصية فنية فريدة تجاوز إرثها الـ 500 لحن، لم تكن مجرد أرقام، بل كانت نبضات من الحب والجمال الخالد. لم تكن مسيرة ناصيف حراكاً فردياً، بل كانت جزءاً من نهضة ثقافية عربية. تبلور نتاجه عبر إذاعة الشرق الأدنى، ثم اتخذ إطاراً مؤسساتياً صلباً مع تأسيس عصبة الخمسة (رفقة الأخوين رحباني، فيلمون وهبي، وتوفيق الباشا). كانت هذه العصبة بمثابة المختبر الذي أُعيد فيه تشكيل الهوية الموسيقية اللبنانية في استوديو الفن، انطلقت تلك الألحان لتسجل فصلاً جديداً من الحداثة المتجذرة في الأصالة، محولةً الفن إلى خبز يومي للذاكرة. في أيقونته (طلو حبابنا.. نسم يا هوا الوادي)، لا يكتفي زكي ناصيف بالتلحين، بل يصوغ أنثروبولوجيا الحنين. هنا، يتحوّل هواء الوادي من ظاهرة طبيعية إلى حالة وجدانية، وكأن النسمة هي الحامل الشرعي لأصوات الغائبين.
تأثر ناصيف بأسئلة انطون سعادة الوجودية حول الطابع الثقافي للمشرق، فانتمى للحزب السوري القومي الاجتماعي في الاربعينات من عمره بوعي الرجل الناضج. تحوّل مفهوم الأرض لديه من شعار إلى عقيدة موسيقية؛ فالسنبلة عنده رمز للوحدة، والبيادر مساحات للسيادة. تجلى هذا الالتزام في وضعه ألحان النشيد الرسمي للحزب السوري القومي ، وفي إصراره على إبراز الدبكة وأهازيج الفلاحين، مؤمناً بأن الفنان هو حارس الطبيعة الذي يصوغ من ترابها نشيداً للخلود.
في عام 1995، شهد التاريخ الفني لقاء الكواكب بصدور ألبوم (فيروز تغني زكي ناصيف). لم يكن مجرد تعاون، بل كان عودةً للجذور وتتويجاً لمسيرة ناسك مشغرة. تجلت ذروة هذا اللقاء في أغنية “يا بني أمي”، حيث اجتمع ثالوث إبداعي لا يتكرر: فلسفة جبران، عبقرية ناصيف، وصوت فيروز الملائكي. لقد نقل هذا اللقاء السنبلة من بيادر البقاع ليزرعها في فضاءات الكون الرحبة.
عندما يخيّم الوجع، يأتي صوت ناصيف كقوة روحية ضاربة: (مهما يتجرح بلدنا منلمّو لو كنا قلال .. قلال ولكن ما تعوّدنا نبكي ونوقف ع الأطلال). يقدم ناصيف هنا درساً في المقاومة النفسية، محولاً فعل اللملمة إلى فعل اجتماعي تشاركي في كل مرة تمرّ بها بلدننا بمحنة، نجد أنفسنا نلوذ بهذه الأغنية؛ لأنها لا تمنحنا فقط الأمل، بل تمنحنا الكرامة في الألم.
وفي عام 1988، وسط رماد الحروب، أطلق (راجع يتعمر لبنان) لتكون بيان قيامة عابراً للزمن، مرسخاً فلسفة القيامة؛ فكلما سقط حجر، ارتفع في المقابل لحن يبشر بالعمار، مؤكداً أن الأوطان التي تمتلك سنابل في أرضها وزكي ناصيف في ذاكرتها، هي أوطان غير قابلة للموت. لم تعد راجع يتعمر لبنان ملكاً لمبدعها، بل صارت ملكاً لكل بيت لبناني، ونبضاً في قلب كل مغترب، ونشيداً يرتجله الناس عند كل مفترق طرق. لم تكن الأغنية مجرد دعوة للأمل، بل كانت زرعاً ليقينٍ مطلق بأن الخراب حالة طارئة، وأن البناء هو الجوهر الأصيل لهذا البلد المجبول بالجمال. تكتمل الصورة بالالتفات إلى (يا عاشقة الورد) و(نقيلي أحلى زهرة). في هاتين الرائعتين ، تتماهى الطبيعة مع العاطفة الإنسانية في حوار صوفي رقيق؛ فالوردة مرآة الروح، والأنثى هي الحارس الأمين لهذا الجمال. لقد ربط ناصيف بينهما ربطاً وجودياً، فكلاهما يمثل وجه الربيع وجوهر الحياة، حيث يخرج من التراب أرقُّ ما في الوجود.
في مفارقة تدمي القلب، عاش ناصيف زاهداً لدرجة أنه لم يملك بيتاً يؤويه تكلفت ال LBC بذلك ، وهو الذي عمّر لبنان في وجدان الناس . في 11 آذار 2004، ترجّل الفارس عن صهوة نغمه، ليعود الجسد إلى تراب مشغرة الذي استلهم منه أول دلعونا. رحل زكي ناصيف ولم يترك عقارات، بل ترك وطناً مسكوناً بصوته، وحقولاً من القمح كلما هزها الريح رددت خلفه بيقين: راجع الربيع مهما يتأخر.

