كتب المحامي كميل حبيب معلوف المسلسلات في رمضان: بين قداسة الزمان وسلطان الشاشة.

المسلسلات في رمضان: بين قداسة الزمان وسلطان الشاشة.
رمضان في الوعي الإسلامي والمسيحي معاً هو زمنٌ مقدّس، موسم صومٍ وتطهّرٍ وسموٍّ روحي، حيث يتجلّى البعد الإيماني في كبح الشهوات والارتقاء بالنفس نحو القيم العليا. ففي الإسلام يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183)، وفي المسيحية يرد في الإنجيل: “وأمّا أنت فمتى صمتَ فادهن رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفاء” (متى 6: 17-18). غير أنّ هذا الشهر تحوّل في العقود الأخيرة إلى موسمٍ درامي بامتياز، إذ تتسابق الفضائيات لإنتاج عشرات المسلسلات التي تُعرض في أوقات الإفطار والسهرات، فتجذب ملايين المشاهدين وتحتكر وعيهم اليومي. والسؤال العميق الذي يفرض نفسه: لماذا ارتبطت المسلسلات تحديداً بشهر رمضان؟ تكشف الدراسات الإعلامية أنّ رمضان يمثّل “الذروة الذهبية” للمشاهدة، حيث تجتمع الأسرة حول المائدة ثم حول الشاشة، فيتضاعف التأثير النفسي والاقتصادي للإنتاج الدرامي (انظر: عبد الله، الإعلام والهوية الثقافية، 2019). كما تشير بحوث اجتماعية إلى أنّ الدراما الرمضانية أصبحت جزءاً من الطقوس الشعبية، إذ يربط كثير من الشباب بين الصيام وانتظار الحلقة الجديدة، ما يجعل الفن أداةً لإعادة تشكيل الثقافة والقيم (انظر: الخطيب، الثقافة الشعبية والدراما الرمضانية، مجلة الفكر العربي، 2021). غير أنّ النقاد يحذّرون من أنّ هذا الانغماس قد يزيح البعد الروحي لصالح الترفيه، ويحوّل رمضان من موسم عبادة إلى موسم استهلاك، وهو ما يستدعي وعياً جماعياً يوازن بين غذاء الروح ومتعة الفن. إنّ السؤال “لماذا المسلسلات في رمضان؟” ليس سؤالاً إعلامياً فحسب، بل هو سؤالٌ ديني واجتماعي وثقافي، يضعنا أمام مسؤولية إعادة تعريف العلاقة بين المقدّس والمرئي، بين رسالة السماء ورسائل الشاشة، بحيث يبقى الفن خادماً للقيم لا بديلاً عنها، في انسجامٍ مع ما تؤكده الأديان جميعاً من أنّ الصوم زمنٌ للتطهّر لا للتسليع.
المحامي كميل حبيب معلوف
في ٢٥ شباط ٢٠٢٥

