المحامي بين القانون والواقع الإداري، أزمة المهنة في لبنان. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف ٢٩ أيار ٢٠٢٦ المحامي في لبنان يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع إداري مُضنٍ لا يتوقف: معاملاته تُعطَّل، ملفاته تُحجز، مهله تُستهلك في انتظار موظف أو رحمة دائرة، فيما يُنجز عمله أحياناً سمسارٌ لا صفة قانونية له ولا مسؤولية، وهذا كله في مخالفة صريحة للمادة السادسة عشرة من قانون تنظيم مهنة المحاماة (م.ا. رقم ٣٢٠٤/١٩٨٣) التي تحصر تمثيل الموكل وتوقيع اللوائح بالمحامي المنتسب دون سواه

المحامي بين القانون والواقع الإداري،
أزمة المهنة في لبنان.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
٢٩ أيار ٢٠٢٦
المحامي في لبنان يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع إداري مُضنٍ لا يتوقف: معاملاته تُعطَّل، ملفاته تُحجز، مهله تُستهلك في انتظار موظف أو رحمة دائرة، فيما يُنجز عمله أحياناً سمسارٌ لا صفة قانونية له ولا مسؤولية، وهذا كله في مخالفة صريحة للمادة السادسة عشرة من قانون تنظيم مهنة المحاماة (م.ا. رقم ٣٢٠٤/١٩٨٣) التي تحصر تمثيل الموكل وتوقيع اللوائح بالمحامي المنتسب دون سواه.
الرشوة التي يجرّمها قانون العقوبات في المواد ٣٥١ و٣٥٢ و٣٥٣، والسمسرة التي تُعدّ مشاركةً في الجريمة وفق المادتين ٢١٧ و٢١٨ منه، هي في الواقع اليومي أدواتٌ تشتغل أمام أعين الجميع دون محاسبة جدية. المحامي الذي يرفض هذه المنظومة يجد نفسه وحيداً يدفع ثمن النزاهة، فيما يُكافَأ من يُسايرها. وهذا التمييز بحد ذاته يُشكّل انتهاكاً لمبدأ المساواة أمام القانون المكرَّس في المادة السابعة من الدستور اللبناني.
أشد ما يُثقل كاهل المحامي اليوم هو أنه يتحمل وحده تبعة كل تأخير وكل إخفاق، في حين لا يتحمل الموظف المتقاعس أي مسؤولية. مهلة الاستئناف المحددة في المادة ٦٤٥ من قانون أصول المحاكمات المدنية، ومهل المطالعات والردود المقررة في المواد ٣٩٩ وما يليها، تمر دون رحمة، والقضاء لا يقبل عذر “الدائرة لم تختم”. المحامي هو المحاسَب دائماً، والإدارة هي المحمية دائماً.
أمام هذا الواقع، ثمة مسالك قانونية متاحة لكن نادراً ما تُسلك: دعوى الإلغاء أمام مجلس شورى الدولة (المادة ٦٥ م.ا. ١٨٣/١٩٨٣) لمواجهة القرارات الإدارية التعسفية في مهلة شهرين، والشكاوى أمام هيئة التفتيش المركزي (م.ا. ١١٠/١٩٨٣) بحق الموظفين المتقاعسين، والتقدم إلى هيئة مكافحة الفساد (قانون ١٧٥/٢٠٢٠) في حالات الإكراميات. هذه الأدوات موجودة في القانون، لكنها غائبة في التطبيق، ومن مصلحة كل محامٍ أن يُعيد اكتشافها ويُفعّلها.
في فرنسا، رقمنة المعاملات القضائية ومهل إنجاز ملزمة ونظام الصمت الإداري الإيجابي جعلت من وصول المحامي إلى الدوائر حقاً لا منّة. في الولايات المتحدة، المحامي officer of the court وشريك في العدالة لا متسوّل أمام موظف. هذه ليست أحلاماً بل أنظمة قائمة، والفارق الوحيد هو وجود إرادة تطبيق.
المحامي اللبناني لا يطلب امتيازات ولا استثناءات. يطلب فقط أن يُطبَّق القانون الذي أقسم على خدمته: احترام اختصاصه الحصري، إنجاز المعاملات في مهلها، وقف التهاون مع السماسرة، وصون كرامته المهنية التي هي في نهاية المطاف كرامة المواطن الذي يمثّله. المادة الثامنة من الدستور ترتقي بحق الدفاع إلى مصافّ الحقوق الدستورية، ولا يمكن ممارسة هذا الحق ما دام المحامي رهينة إدارة لا تُحاسَب.
السؤال الذي يطرحه كل محامٍ على نفسه في نهاية يوم عمل مضنٍ: هل يكفي أن نكتب ونشتكي؟ الجواب: لا. التغيير يبدأ بمحامين يُطالبون بحقوقهم بصوت عالٍ، يُفعّلون الأدوات القانونية المتاحة، ويرفضون التطبيع مع منظومة تُضعف دورهم وتُقوّض ثقة المواطن بالعدالة. المحامي في لبنان لا يحتاج إلى رعاية ولا إلى وساطة ، يحتاج فقط إلى قانون يُطبَّق.


