الفراغ التشريعي في استخدام القضاة والمحامين للذكاء الاصطناعي: بين العدالة والرقمنة. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف   في 10 حزيران 2026 مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مكاتب المحامين وقاعات المحاكم في لبنان عبر أدوات صياغة العقود وتحليل السوابق القضائية، برزت إشكالية أساسية تتمثل في غياب إطار تشريعي واضح ينظم هذه الممارسة

10/06/2026
IMG-20260428-WA0087

الفراغ التشريعي في استخدام القضاة والمحامين للذكاء الاصطناعي: بين العدالة والرقمنة.

 

بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

في 10 حزيران 2026

 

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مكاتب المحامين وقاعات المحاكم في لبنان عبر أدوات صياغة العقود وتحليل السوابق القضائية، برزت إشكالية أساسية تتمثل في غياب إطار تشريعي واضح ينظم هذه الممارسة. فالقانون اللبناني، رغم تقدمه في بعض المجالات، لا يزال يفتقر إلى نصوص صريحة تعالج مسألة المستندات أو المذكرات القانونية المُنشأة بواسطة الخوارزميات، إذ إن المادة ١٣٢ من قانون أصول المحاكمات المدنية تشترط أن تكون المستندات “موقّعة من صاحبها”، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قبول العقود أو المذكرات التي ينتجها برنامج ذكاء اصطناعي إذا صادق عليها المحامي أو القاضي.

 

القانون رقم ٨١/٢٠١٨ المتعلق بالمعاملات الإلكترونية لم يتطرّق إلى المستندات المُنشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما يخلق فراغاً تشريعياً خطيراً قد ينعكس على حقوق المتقاضين وعلى مبدأ الأمن القانوني. هذا الفراغ يضع القضاة والمحامين أمام مسؤولية مضاعفة، إذ عليهم أن يوازنوا بين الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع العمل القضائي، وبين ضمان احترام القواعد الشكلية والموضوعية التي يفرضها القانون اللبناني. وفي ظل غياب أي نظام مراقبة أو ترخيص لهذه البرامج، تبقى الممارسة في منطقة رمادية غير منظّمة، وهو ما يثير مخاوف حول مدى قانونية اعتمادها في الإجراءات القضائية.

 

وعلى الصعيد المقارن، نجد أنّ فرنسا قد عالجت هذه المسألة عبر تعديل قانونها المدني بحيث اعتبرت العقود المُنشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي صحيحة ما دامت الإرادة البشرية قد صادقت عليها، وهو ما ينسجم مع مبدأ سلطان الإرادة. أما الولايات المتحدة، فقد شهدت محاكمها الفدرالية قضايا بارزة، منها قضية في نيويورك عام ٢٠٢٣ حيث عوقب محامٍ تأديبياً بعدما قدّم مذكرات صاغها برنامج ذكاء اصطناعي تضمنت سوابق قضائية غير موجودة، مؤكدة أنّ المسؤولية المهنية تقع بالكامل على المحامي حتى لو استعان ببرنامج. وفي بريطانيا، أقرّ قانون Fraud Act 2006 مبدأ “المسؤولية المشتركة” بين المحامي والبرنامج، وهو ما يفتح الباب أمام توزيع المسؤولية القانونية بين الإنسان والآلة.

 

إنّ هذه المقارنة تكشف أنّ لبنان يقف أمام تحدٍّ جديد لم يُطرح بعد بجدية في ساحات القضاء: هل يمكن اعتماد المستندات المُنشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي كأدلة أو عقود صحيحة؟ وهل يتحمّل المحامي المسؤولية الكاملة عن محتواها أم تُوزّع المسؤولية بينه وبين الشركة المُنتجة للبرنامج؟ إنّ الإجابة على هذه الأسئلة تفتح باباً واسعاً للنقاش بين القضاة والمحامين والمشرّعين، وتضع وزارة العدل ونقابتي المحامين في بيروت وطرابلس أمام ضرورة إصدار تشريع حديث يدمج بين قانون ٨١/٢٠١٨ وأحكام قانون الموجبات والعقود، ويستفيد من التجارب الدولية، ليضمن أنّ الذكاء الاصطناعي يصبح أداة لتعزيز العدالة لا لتقويضها، مع الإشارة الضمنية إلى أنّ البرامج المتداولة حالياً في الإعلام والممارسة ليست خاضعة لأي إطار قانوني أو تنظيمي، وهو ما يجعل الحاجة إلى التشريع أكثر إلحاحاً.

 

إنّ البرامج القانونية المبنية على الذكاء الاصطناعي، والتي تُطرح في الإعلام أو تُستخدم عملياً من قبل بعض المحامين والقضاة، تبقى في لبنان خارج أي إطار تشريعي أو تنظيمي واضح. فهي ليست ممنوعة بنصّ صريح، لكنها أيضاً لم تحظَ بأي موافقة أو اعتماد من المراجع القانونية الرسمية، سواء وزارة العدل أو نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس. هذا الغياب في المراقبة والترخيص يضع المسؤولية على عاتق السلطات المختصة التي لم تُصدر بعد أي نظام يحدّد شروط استخدام هذه الأدوات أو يضمن سلامتها القانونية، مما يجعل اعتمادها في الممارسة القضائية محفوفاً بالمخاطر. إنّ عدم الموافقة الرسمية لا يُعتبر تقصيراً من المحامين أو القضاة الذين يسعون إلى مواكبة التطور، بل هو نتيجة مباشرة لفراغ تشريعي لم يُعالج بعد، ويُحتّم على المراجع القانونية في لبنان أن تتحمّل مسؤولية المبادرة إلى سدّ هذا الفراغ، حمايةً للعدالة وصوناً لحقوق المتقاضين.

 

إنّ النقاش حول الذكاء الاصطناعي في القضاء لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت مسألة تشريعية ملحّة تطال صميم الإطار القانوني في لبنان وتفرض على المراجع المختصة معالجتها بصورة عاجلة ، لأن مستقبل العدالة في لبنان لن يُكتب إلا بتشريع يواكب العصر ويُعيد الثقة إلى المؤسسات.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME