من يكتب قانون الآلة، يقود قانون المستقبل: المحاماة اللبنانية على أبواب عصر لم يُكتب دستوره بعد. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف ٨ تموز ٢٠٢٦ المحاماة لم تعد مهنة الدفاع والمرافعة وحدها، بل غدت رسالة حضارية تتقدّم بها الأمم حين تُحسن قراءة عصرها قبل أن يفرض العصر شروطه عليها، والمحامي اليوم لم يعد ذاك الذي يحفظ النصوص ويجيد الخصومة

08/07/2026
IMG-20260428-WA0087

من يكتب قانون الآلة، يقود قانون المستقبل: المحاماة اللبنانية على أبواب عصر لم يُكتب دستوره بعد.

بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
٨ تموز ٢٠٢٦

المحاماة لم تعد مهنة الدفاع والمرافعة وحدها، بل غدت رسالة حضارية تتقدّم بها الأمم حين تُحسن قراءة عصرها قبل أن يفرض العصر شروطه عليها، والمحامي اليوم لم يعد ذاك الذي يحفظ النصوص ويجيد الخصومة، بل بات مطالَباً بأن يكون قارئاً للتحوّل التقني بقدر ما هو قارئ للقانون، ففي لبنان يواجه أبناء المهنة ضغط سوقٍ مثقل بالأزمات وتراجعاً في بعض أدوارها التقليدية، لكن المفارقة أن هذا الضيق ذاته يفتح كوّة نحو فرصة نوعية غير مسبوقة، عنوانها التخصص في القانون الرقمي والتحكيم الدولي وحماية البيانات، وهي حقول لا تزال بكراً في بيئتنا القانونية بانتظار من يطرقها بجدّية ومنهجية.

فأوروبا، التي سبقت العالم إلى تقنين الذكاء الاصطناعي عبر لائحتها رقم ٢٠٢٤/١٦٨٩ التي دخلت حيّز النفاذ في الأول من آب ٢٠٢٤، اختارت نهجاً تدريجياً يقوم على تصنيف الأنظمة بحسب درجة خطورتها؛ فحظرت منذ شباط ٢٠٢٥ الممارسات “غير المقبولة”، وألزمت مزوّدي نماذج الذكاء الاصطناعي العام بموجبات الشفافية والحوكمة اعتباراً من آب ٢٠٢٥، على أن يكتمل التطبيق الشامل للالتزامات في آب ٢٠٢٦، فيما رجّحت المفوضية الأوروبية أخيراً – بعد اتفاق سياسي أُبرم في أيار ٢٠٢٦ ضمن ما يُعرف بحزمة “الأومنيبوس الرقمي” – تمديد المهلة الخاصة بالأنظمة عالية الخطورة حتى آب ٢٠٢٧، مراعاةً لواقع الشركات وقدرتها على الامتثال. هذا التطوّر التشريعي لم يكن حدثاً تقنياً بحتاً، بل ولّد فعلياً سوق عمل قانونية جديدة كاملة، إذ باتت المكاتب الأوروبية الكبرى تُنشئ وحدات متخصصة في “الامتثال الرقمي” وتقييم المخاطر الخوارزمية، تماماً كما فعلت من قبل مع نظام حماية البيانات الأوروبي GDPR الذي أرسى قبل سنوات ثقافة قانونية جديدة حول الخصوصية والمساءلة الرقمية.

وليس لبنان بمعزل عن هذا المسار، فالمشترع اللبناني كان سبّاقاً نسبياً حين أدخل بموجب القانون رقم ٤٤٠ الصادر عام ٢٠٠٢ تعديلات جوهرية على أصول المحاكمات المدنية أتاحت التحكيم في مختلف العقود التجارية والمدنية، وأجازت حتى لأشخاص القانون العام اللجوء إليه بموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، كما وفّر قانون تشجيع الاستثمار رقم ٣٦٠ تاريخ ١٦ آب ٢٠٠١ آليات لتسوية النزاعات بين الدولة والمستثمرين، مستنداً إلى انضمام لبنان إلى اتفاقية نيويورك لعام ١٩٥٨ الخاصة بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، واتفاقية واشنطن لعام ١٩٦٥ لتسوية منازعات الاستثمار، وهو إرث تشريعي متين يمنح المحامي اللبناني أرضية صلبة لينافس إقليمياً في التحكيم التجاري الدولي، خصوصاً مع ما يشهده لبنان من محاولات استعادة الثقة الاستثمارية وإعادة إحياء بيئة الأعمال في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه الاقتصادي.

وفي مفارقة لافتة تكشف اتساع رقعة هذا التحوّل، لم تكتفِ المؤسسات التحكيمية الدولية بمراقبة عصر الخوارزمية من بعيد، بل بادرت إلى إعادة النظر في أدواتها الإجرائية ذاتها: فقد اعتمدت غرفة التجارة الدولية في باريس، في آذار ٢٠٢٦، نسخة محدّثة من قواعد التحكيم لديها تدخل حيّز النفاذ اعتباراً من الأول من حزيران ٢٠٢٦ لتحل محل قواعد عام ٢٠٢١، في ما يُعدّ أوسع مراجعة تُجريها الغرفة منذ عام ٢٠١٢، أبرز ملامحها إلغاء الإلزام التاريخي بإعداد “شروط المرجعية” (Terms of Reference) كخطوة إجرائية إجبارية، سعياً إلى تحرير الدعوى التحكيمية من بعض الشكليات التي طالما أبطأت البتّ فيها، وذلك في وقتٍ سجّلت فيه محكمة الغرفة وحدها خلال عام ٢٠٢٥ نحو ٨٨١ دعوى بقيمة إجمالية قاربت ٢٩٩ مليار دولار أميركي، وهو رقم يكفي وحده لتفسير سبب سعي المؤسسات التحكيمية الكبرى إلى تبسيط إجراءاتها بدل تعقيدها.

إن هذا المشهد الثلاثي – أوروبا التي تُقنّن الخوارزمية، والمؤسسات التحكيمية الدولية التي تُعيد صياغة أدواتها الإجرائية لمواكبة سرعة العصر، ولبنان الذي يملك تقليداً تحكيمياً عريقاً منذ اتفاقيتي نيويورك ١٩٥٨ وواشنطن ١٩٦٥ لم يُستثمر بعد بالكامل – يكشف عن حقيقة واحدة: أن القانون، في كل مكان، بات يُعاد تصميمه لا لمواكبة التقنية فحسب، بل لمجاراة سرعتها، وهذا يضع المحامي أمام مسؤولية مضاعفة: أن يواكب لغة العصر الرقمي دون أن يتنازل عن رصانة الصنعة القانونية وهيبتها، وأن يتحوّل من مجرد ممارسٍ للنص إلى شريك في صياغته، فالقضاة والمشرّعون في كل مكان من العالم باتوا اليوم مطالَبين بفهم تقنيات وإجراءات لم تكن موجودة حين تخرّجوا من كليات الحقوق، وهذا بحدّ ذاته دعوة صريحة لكل جيل قانوني جديد لأن يُعيد تعريف دوره، لا كحارس للماضي فحسب، بل كمهندس لقواعد المستقبل، فتغدو المحاماة – حين تُحسن قراءة تحوّلاتها – مزيجاً استراتيجياً من القانون والتقنية والقيادة، يجعل من يتقن أدوات عصره ويصون وقاره ورزانته المهنية رمزاً للريادة، في لبنان كما في العالم.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME