هل سقطت الحجج التقليدية للمصارف؟ التحول القضائي الأبرز في ملف الودائع. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف في ٧ تموز ٢٠٢٦ لطالما سادت نغمة مألوفة تشير إلى أن أموال المودعين ضاعت لأن الدولة استهلكتها، وهي الحجة القانونية والواقعية التي تحصنت خلفها المصارف لسنوات طويلة تبريراً لحجز الحقوق. لكن، بالنظر بتمعن إلى التحولات التشريعية والقضائية المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية مؤخراً، نجد أن المشهد القانوني ينقلب رأساً على عقب، مما يفرض إعادة قراءة دقيقة للمسارات الحقوقية المتاحة بعيداً عن الصيغ الجاهزة التي طالما رددها من لا يمتلك أدوات التحليل العميق لهذا الملف الشائك.

هل سقطت الحجج التقليدية للمصارف؟ التحول القضائي الأبرز في ملف الودائع.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
في ٧ تموز ٢٠٢٦
لطالما سادت نغمة مألوفة تشير إلى أن أموال المودعين ضاعت لأن الدولة استهلكتها، وهي الحجة القانونية والواقعية التي تحصنت خلفها المصارف لسنوات طويلة تبريراً لحجز الحقوق. لكن، بالنظر بتمعن إلى التحولات التشريعية والقضائية المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية مؤخراً، نجد أن المشهد القانوني ينقلب رأساً على عقب، مما يفرض إعادة قراءة دقيقة للمسارات الحقوقية المتاحة بعيداً عن الصيغ الجاهزة التي طالما رددها من لا يمتلك أدوات التحليل العميق لهذا الملف الشائك.
لقد جاء قرار مجلس شورى الدولة، الصادر حديثاً بقبول مراجعة جمعية المصارف والمستند إلى وقائع موثقة حول استدانة الدولة من مصرف لبنان مبالغ تجاوزت ٦٣ مليار دولار دون ردها، ليعيد رسم الحدود الدستورية لحماية الحقوق. فقد حسم القضاء الإداري النقاش بوضوح عندما ألغى بنوداً من خطة الحكومة التي كانت تهدف إلى شطب الودائع أو تذويبها بقرارات إدارية بحتة، مستنداً إلى مبدأ فصل الجزء النافذ من القرار الإداري عن سياق التفاوض مع صندوق النقد الدولي — وهو مبدأ يستحضر إلى الذاكرة سوابق مجلس الدولة الفرنسي في هذا المجال. من هنا تسقط قانوناً فكرة “القوة القاهرة” التي تذرعت بها المصارف كغطاء للتملص من موجباتها التعاقدية، وتسقط معها الحجة الأكثر ترديداً في كل مرافعة مصرفية منذ العام ٢٠١٩.
وفي المقابل، أحدثت الدعاوى الجزائية التي أقامها مصرف لبنان مطلع تموز الجاري بحق مسؤول سابق فيه وعدد من كبار المصرفيين السابقين الذين تولوا مناصب تنفيذية عليا، بتهم إساءة الأمانة وإساءة استعمال السلطة، خضة كبرى في أوساط القطاع. هذه الخطوة، بصفتها ملاحقة صادرة من داخل المنظومة المصرفية ذاتها لا من مجرد إخبارات عامة، رفعت الغطاء الفعلي عن فكرة “الأزمة النظامية الجماعية” التي كانت تُذيب المسؤوليات الفردية في مسؤولية جماعية مبهمة. غير أن الإنصاف القانوني يقتضي التمييز هنا بين مسؤولية القرار الفردي المثبت بسوء نية أو إهمال جسيم، وبين حصانة القرار الجماعي الذي يتخذه مجلس الإدارة ضمن مبدأ الشخصية المعنوية المستقلة للمصرف؛ فليس كل خسارة جماعية جريمة فردية، وليست كل مؤسسة مصرفية بريئة بالضرورة من مسؤولية الإشراف. هذا التمييز الدقيق هو ما يحول الملف من خطاب اتهامي عام إلى مساءلة قانونية بنّاءة تحمي الجميع، المودع والمصرف على حد سواء، من التسييس.
أما على الصعيد التشريعي، فإن المسودة المتداولة أمام لجنة المال والموازنة النيابية لمشروع “قانون الفجوة المالية”، والتي تنص على استرجاع مبلغ مضمون لا يتجاوز مئة ألف دولار نقداً على أربع سنوات، وتحويل ما زاد عن هذا السقف إلى شهادات مالية طويلة الأجل (فئات A وB وC) بفائدة سنوية متواضعة مدعومة بأصول مصرف لبنان، تفتح باباً واسعاً للنقاش حول مدى دستوريتها. فإجبار صاحب الحق على استبدال نقوده الحاضرة بسندات مؤجلة غير مضمونة القيمة الفعلية هو بمثابة اقتطاع مقنّع من الذمة المالية. والسؤال الذي يفرض نفسه عملياً، ولم يُحسم بعد في المسودة المتداولة: هل يبدأ سريان مهلة الطعن بهذه الآلية من تاريخ إقرار القانون، أم من تاريخ كل استحقاق فعلي على حدة؟ فارق التوقيت هنا قد يحسم مصير آلاف الملفات.
وفي البعد الأقل حضوراً في النقاش العام رغم أهميته العملية، فإن تحويل جزء من الودائع إلى شهادات مالية طويلة الأجل يطرح إشكالية محاسبية وضريبية لم تُحسم بعد: كيف تُقيَّد هذه الشهادات في ميزانيات الشركات والمؤسسات التي كانت من كبار المودعين؟ وهل يُعتد بها كأصل مالي قابل للاستهلاك المحاسبي، أم كذمة مدينة معلقة؟ وما هو الأثر المترتب على الإقرارات الضريبية السنوية لأصحاب هذه الودائع بعد تحول طبيعتها القانونية؟ هذه أسئلة ستشغل بال كل محاسب قانوني ومدقق حسابات في المرحلة المقبلة، ولا يمكن لأي قراءة قانونية أن تكتمل دون استحضارها.
والعودة إلى الأصول العامة في قانون الموجبات والعقود اللبناني تكشف حقيقة طالما أُغفلت في الخطاب السائد: الوديعة المصرفية النقدية ليست وديعة بالمعنى التقليدي الذي يُلزم الوديع برد عين الشيء المودع، بل هي لكونها نقوداً — وهي أشياء مثلية بطبيعتها — تنتقل ملكيتها فور الإيداع إلى المصرف، فتتحول العلاقة حكماً إلى قرض استهلاك بمفهوم المادة ٧٥٤ وما يليها من التقنين، حيث ينشأ في ذمة المصرف موجب رد المثل لا العين. وهذا التكييف الدقيق، الذي يتجاوز السطحية في وصف المصرف بمجرد “وسيط” أو “وكيل”، هو ما يفرض على المصرف عبء الملاءة الدائمة تجاه المودع بصفته مديناً لا أميناً على وديعة، وبالتالي فإن توظيف هذه الأموال في قنوات عالية المخاطر رغم كل المؤشرات التحذيرية للانهيار يقع مباشرة تحت طائلة المسؤولية العقدية والتقصيرية معاً.
في الخلاصة، إن ما تشهده لبنان اليوم ليس مجرد نزاع مصرفي متجدد، بل إعادة تأسيس كاملة لقواعد اللعبة القانونية بين المودع والمصرف والدولة، بعد ست سنوات من الغموض. ولم يعد مجدياً التعامل مع هذه القضايا بالوسائل النمطية التي سادت في السنوات الأولى للانهيار. القراءة الدقيقة للتكييف القانوني الصحيح للعلاقة التعاقدية، بعيداً عن الخلط الشائع بين مفاهيم الوديعة والوكالة والقرض، هي وحدها ما يحدد اليوم مسار النجاح في استرداد الحقوق وحمايتها من الضياع بمرور الزمن.

