لا تجعلوا مريم صورة فوق منصة… واسألوا: هل ما زلنا نحتفل بالعذراء أم باسمها؟ حين تصعد العذراء إلى السماء… ماذا يبقى من العيد على الأرض؟ هل ما زلنا نحتفل بالعذراء، أم بدأنا نحتفل باسم العذراء؟ والفرق بين الأمرين كبير جدًا. المحامي كميل حبيب معلوف

14/08/2026
IMG-20260428-WA0087

لا تجعلوا مريم صورة فوق منصة… واسألوا: هل ما زلنا نحتفل بالعذراء أم باسمها؟

حين تصعد العذراء إلى السماء… ماذا يبقى من العيد على الأرض؟

هل ما زلنا نحتفل بالعذراء، أم بدأنا نحتفل باسم العذراء؟ والفرق بين الأمرين كبير جدًا.

المحامي كميل حبيب معلوف

١٥ آب ٢٠٢٦

في الخامس عشر من آب، يقف كل مسيحيّي لبنان، على اختلاف كنائسهم وطقوسهم وتسمياتهم، أمام عيدٍ واحد لا تُقسّمه الطوائف ولا تحتكره كنيسة دون أخرى، لأننا لا نحتفل فيه بذكرى امرأةٍ عظيمة فحسب، بل نقف جميعًا، مشرقيين وغربيين، موارنة وأرثوذكسًا وكاثوليك وإنجيليين وكل من يحمل اسم المسيح، أمام سرٍّ واحد من أسرار الإيمان في عمقه ورجائه: انتقال السيدة مريم العذراء إلى المجد السماوي، أي إن الإنسان الذي اتخذته النعمة مسكنًا لها لا تنتهي قصته عند حدود التراب، وأن الموت، في المنظور المسيحي الجامع، ليس الكلمة الأخيرة في سيرة الإنسان، لأن الكلمة الأخيرة هي للحياة وللمجد وللقيامة. ومن هنا تحديدًا يبدأ معنى هذا العيد وينتهي: من الله وإليه، لا من طائفة إلى طائفة. ومريم في هذا السر ليست هي الغاية، بل هي أولى ثمار الخلاص وأجمل أيقوناته المشتركة بين الكنائس جميعًا؛ هي التي قالت «تعظّم نفسي الرب»، فكان عِظَمها في أنها لم تعظّم نفسها، بل عظّمت الله فيها. ولهذا لا تستطيع أي كنيسة، أيًّا كان اسمها أو طقسها، أن تنظر إلى انتقالها كحدثٍ منفصل عن المسيح، لأن كل تكريم حقيقي لمريم يعيد النظر إلى ابنها، وكل مجدٍ يُنسب إليها هو في النهاية شهادة لعظمة النعمة التي صنعت فيها عظائمها. فالكنيسة، بكل تلاوينها اللاهوتية وتنوّع تعبيرها الليتورجي، ترى في مريم أمًّا للمؤمنين جميعًا دون استثناء، ووجهًا للطاعة والإيمان، وعلامة رجاء بأن ما صنعه الله فيها ليس امتيازًا مغلقًا عليها، بل وعدًا مفتوحًا على كل إنسان يسير في طريق الخلاص، أيًّا كانت الكنيسة التي ولد فيها أو نشأ في كنفها. ولذلك ليس عيد انتقالها مجرد يومٍ للفرح، بل يومٌ لفهم الفرح نفسه؛ فالفرح المسيحي ليس ضجيجًا، وليس كثرة أضواء، وليس ازدحام ساحات، وليس عددًا من الحفلات والمهرجانات، بل هو فرحٌ له مصدر ومعنى ووجهة.

ومن هنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا جميعًا، لا على غيرنا: ماذا فعلنا بعيد العذراء؟ هل جعلناه مناسبةً نقترب فيها من الله، أم مناسبةً نبتعد فيها عن المعنى الذي من أجله وُجد؟ هل بقيت الصلاة في قلب العيد، أم أصبحت في هامشه؟ هل بقيت الكنيسة، بكل كنائسها، هي نقطة الانطلاق، أم أصبحت صورة العذراء مجرد خلفية لمشهد احتفالي طويل؟ هل ما زلنا نحتفل بالعذراء، أم بدأنا نحتفل باسم العذراء؟ والفرق بين الأمرين كبير جدًا. ونحن لا نعترض على الفرح، فالكنيسة، بكل تنوّعها، ليست عدوة الفرح، ولا المسيحية دينًا للحزن، ولا لبنان وطنًا ينبغي أن تُطفأ فيه الأنوار. نحن نحب الفرح، ونحب أن تلتقي العائلات على اختلاف انتماءاتها الكنسية، وأن يعود المغتربون إلى قراهم، وأن تنبض البلدات بالحياة، وأن تنتعش الحركة السياحية والاقتصادية، وأن يفرح الأطفال والشباب والكبار؛ ولكن الفرح شيء، وأن يتحول العيد الديني إلى ذريعة لمهرجان لا صلة لمضمونه بروح العيد شيء آخر. ليس كل ما يجوز في ليلة صيفية يجوز أن يوضع تحت اسم عيدٍ مقدس، وليس كل ما يجذب الجمهور يليق بأن يكون تعبيرًا عن مناسبة دينية، وليس من الحكمة أن نسمح للترفيه بأن يبتلع العبادة ثم نقول إننا احتفلنا بالعيد. فالمشكلة ليست في الأغنية، ولا في الفن، ولا في السهرة، ولا في المهرجان من حيث هو نشاط اجتماعي؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح المقدس مجرد عنوان تجاري أو سياحي، وعندما تُستعمل قدسية المناسبة لتبرير مظاهر لا تحمل من روحها شيئًا. إن احترام المقدس لا يعني قتل الفرح، بل يعني وضع الفرح في مكانه الصحيح.

ومن المؤلم أن نرى في بعض الأماكن كيف أصبح اسم «عيد العذراء» أحيانًا أكبر من العيد نفسه، وكيف تتحول المناسبة التي يفترض أن ترفع الإنسان من الأرض إلى السماء إلى سباقٍ على المسرح والضجيج والحضور والإعلان. وهنا لا بد من كلمةٍ هادئة، لا تحمل إدانةً لأحد، ولا تدخل في خصومة مع أحد: يا أبناء الكنائس جميعًا، بلا تمييز بين طائفة وأخرى، يا رعاة الكنائس وخدّام المذابح على اختلاف رتبهم وطقوسهم، يا أبناء القرى والبلدات والمدن، يا منظمي الاحتفالات والمهرجانات، لا تجعلوا العيد ضحيةً لنجاح الاحتفال. لا تسمحوا أن تصبح مريم صورةً معلقة فوق منصة، بينما يغيب المعنى الذي جعلها عظيمة. فالذي يكرّم مريم حقًا لا يكتفي برفع صورتها، بل يرفع معها قيمتها في حياته: تواضعًا بدل الكبرياء، طهارةً بدل الابتذال، محبةً بدل الخصومة، خدمةً بدل الأنانية، ورحمةً بدل القسوة، وإيمانًا بدل اليأس. وإذا كان لا بد من مهرجان في عيدها، فليكن أجمل مهرجان هو أن يعود إنسان إلى الله، وأن تتصالح عائلة، وأن يزور شابٌّ مريضًا، وأن تُمسح دمعة فقير، وأن يُفتح بيتٌ لمحتاج، وأن يغفر أخٌ لأخيه، وأن يتذكر لبنان أنه ليس مجرد أرضٍ جميلة، بل وطنٌ يعيش فيه الإنسان من أجل الإنسان. هذه هي لغة مريم التي تفهمها السماء، وهذه هي اللغة التي لا تحتاج إلى مكبرات صوت، ولا إلى اسم طائفة تُكتب فوقها.

وفي بلدٍ أتعبته الأزمات، وأخذت منه الهجرة أبناءه، وأثقلته الخلافات، وأصبح فيه كثيرون يبحثون عن نافذةٍ صغيرة إلى الرجاء، قد يكون عيد العذراء فرصةً لكي نستعيد شيئًا فقدناه: القدرة على الإيمان بأن ما يبدو مستحيلًا على الأرض ليس مستحيلًا عند الله. ألم تكن مريم نفسها، في منطق الإنجيل، جوابًا إلهيًا على استحالة الإنسان؟ ألم يكن نشيدها «تعظّم نفسي الرب» إعلانًا بأن الله يستطيع أن يجعل من المتواضع عظيمًا، ومن الضعيف شاهدًا، ومن الألم طريقًا إلى الرجاء؟ لذلك فإن انتقالها إلى المجد ليس هروبًا من الأرض، بل دعوةٌ إلى أن نعيش الأرض بعينٍ تتطلع إلى السماء. ومريم، وهي في المجد، لا تصبح بعيدة عن الإنسان، بل أقرب إليه في معنى الأمومة والرجاء؛ ولذلك بقي حضورها في الوجدان المسيحي عبر الأجيال وعبر الكنائس كلها، لا لأنها تحل محل المسيح، بل لأنها تقود إليه، كما تقود الأم طفلها إلى حيث ينبغي أن يكون. وفي لبنان، حيث تتعدد الكنائس والتقاليد والليتورجيات، يبقى اسم العذراء مساحةً واسعة للقاء المسيحي الجامع، لا سببًا جديدًا للتقسيم؛ فهي أمٌّ في وجدان كل الطوائف، وذاكرة صلاة مشتركة، وصوت ترنيمة لا تحدّه كنيسة واحدة، وشفيعةٌ في قلوب الملايين من مختلف الانتماءات، وعلامةٌ على أن الإيمان حين يكون حقيقيًا يتجاوز حدود الجغرافيا والطائفة والاختلاف في التعبير. ولهذا فإن الحفاظ على روح عيدها ليس شأنًا كنسيًا ضيقًا يخص كنيسة دون أخرى، بل جزءٌ من حفظ وجه لبنان نفسه؛ لبنان الذي يستطيع أن يفرح دون أن يبتذل، وأن يحتفل دون أن ينسى، وأن ينفتح على العصر دون أن يتخلى عن جذوره، وأن يجعل من السياحة والثقافة والفن أدواتٍ لخدمة الإنسان لا وسائل لابتلاع المقدس.

فلنفرح، نعم، ولكن لنعرف لماذا نفرح. ولنغنِّ، نعم، ولكن لنعرف لمن نرفع أصواتنا. ولنملأ الساحات، ولكن لئلا تفرغ الكنائس. ولنستقبل الناس، ولكن لئلا ننسى صاحب العيد في قلب العيد. ولنضع الزينة، ولكن لئلا نزيّن الخارج ونترك الداخل عاريًا من الإيمان. إن أجمل تكريم للعذراء في عيد انتقالها ليس أن تكون ليلة لبنان أكثر صخبًا، بل أن يكون صباحه أكثر رحمة؛ ليس أن تكون شوارعه أكثر ازدحامًا، بل أن تكون قلوب أبنائه أكثر قربًا؛ ليس أن تُضاء المنصات أكثر، بل أن تضيء في إنسانٍ واحدٍ شمعة رجاء. وفي الخامس عشر من آب، فلنسأل أنفسنا جميعًا، مسيحيين على اختلاف كنائسنا وتقاليدنا، وكل لبناني يحمل احترامًا لهذا العيد وللمقدسات: هل ما زلنا نعيش العيد، أم نكتفي بالاحتفال به؟ لأن العيد الذي لا يغيّر شيئًا في الإنسان يتحول مع الوقت إلى عادة، والقداسة التي تتحول إلى عادة تفقد وهجها في القلب، والمهرجان الذي يطغى على الصلاة قد يملأ الساحة بالناس لكنه يترك الروح فارغة. أما عيد العذراء الحقيقي، فهو أن ننتقل معها، ولو خطوةً واحدة: من الأنانية إلى المحبة، من الخطيئة إلى النعمة، من الخوف إلى الرجاء، من الانقسام إلى الأخوة، ومن ضجيج الأرض إلى سكينة السماء. عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نحتفل باسم العذراء فحسب، بل فهمنا شيئًا من سرّها، بمعزل عن أي اسم طائفي نحمله. وعندها فقط يصبح الخامس عشر من آب عيدًا يليق بمريم، ويليق بكل مسيحيّي لبنان دون استثناء، ويليق بلبنان.

عيد انتقال مبارك، لكل اللبنانيين، ولكل المؤمنين بالعذراء مريم في كل كنيسة ومذهب، ولكل من يرى في الإيمان نورًا، وفي الإنسان أخًا، وفي لبنان وطنًا يستحق أن يبقى جميلًا في روحه كما هو جميل في أرضه.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME