لو كان القديس شربل على قيد الحياة اليوم! بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف

30/08/2026
IMG-20260428-WA0087

لو كان القديس شربل على قيد الحياة اليوم!

بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٣٠ آب ٢٠٢٦

ثمة سؤالٌ لا يطرقُ العقل، بل يطرقُ القلب مباشرة: لو أنّ القديس شربل، ابن بقّاعكفرا، الذي أطفأ صوته الخارجي كي يوقظ صوته الداخلي، فتح عينيه اليوم على لبنان الذي أحبّه بصمته، وعلى عالمٍ يتكلّم أكثر مما يُصلّي… ماذا كان سيرى؟ وأي كلمةٍ، من قلة كلماته، كان سيهبنا إياها؟

لستُ أزعم أنني أملك جواباً كاملاً. لكنني، كمن نشأ في قريةٍ لبنانية تشبه قريته، وتربّى بين الحقول والأجراس، أشعر أن سيرة هذا القديس تخاطبني كلما اشتدّ ضجيج العالم من حولي، وكأنها مرآةٌ صامتة أرى فيها ما نسيناه جميعاً.

صمتٌ يُخجل كل الضجيج،

لم يكتب شربل سطراً واحداً يُعرِّف به نفسه، ولم يبحث يوماً عن منبر. أربعون عاماً قضاها في صومعةٍ منسية، بينما يتسابق أبناء زماننا على الظهور، وتُقاس قيمة الإنسان اليوم بعدد من يراه لا بعمق ما يحمله. لو وقف بيننا الآن، وسط هذا الطوفان من الصور والعناوين والصخب الرقمي، لَما فتح حساباً، ولَما سعى إلى تصفيقٍ عابر. كان سيركع، كعادته، في زاويةٍ لا يعرفها أحد، تاركاً لصمته أن يبلغ من القلوب ما لا تبلغه الخطابة.

والمفارقة الجميلة أنّ هذا الصمت بالذات هو ما جعله، بعد قرنٍ ونصف، أكثر حضوراً من كل صوتٍ عالٍ حولنا؛ فقبره الصغير في عنّايا يستقبل اليوم ملايين القلوب، من كل طائفةٍ ومعتقد، عطشى إلى ما عجزت عن منحها إياه كل شاشات الدنيا: سلامٌ حقيقي لا يُشترى.

لبنانُ الذي يتبدّل بين يدينا،

عرف شربل جبلاً قاسياً علّمه الصبر، وقريةً بسيطة كانت العائلة فيها نسيجاً واحداً مع الجيرة ومع الصلاة المشتركة. لو أطلّ اليوم على وطنه، لرأى عاداتٍ وافدة تسلّلت إلى بيوتنا من كل اتجاه، وثقافةً سريعة تُعلي المتعة الآنية وتنفر من كل ما يتطلّب صبراً أو وفاءً أو تضحية. لرأى القرية التي عرفها، حيث كانت الأبواب مفتوحة والقلوب متصلة، وقد باتت اليوم جزراً متباعدة، كل فردٍ فيها غارقٌ في عالمه الخاص، يحمل العالم كله في جيبه، ولا يحمل جاره في قلبه.

لكن شربل، على الأرجح، لم يكن ليقف موقف الإدانة، فهو لم يهرب من الدنيا كرهاً لها، بل بحثاً عن الله بصفاءٍ أكبر. وربما كانت رسالته اليوم أنّ الأزمة ليست في الجديد بذاته، بل في أن ننسى من نحن ونحن نركض خلفه، فنجد أنفسنا، بعد سنين، أغنى ما نكون بالأشياء، وأفقر ما نكون بالمعنى.

جيلٌ يبحث عن الله في مكانٍ آخر،

لا يليق بمقالٍ يحترم القارئ أن يتجاهل حقيقة مؤلمة: جزءٌ من ابتعاد جيل اليوم عن الصلاة والكنيسة سببه خيباتٌ حقيقية، من تعثّرات في سلوك بعض رجال الإكليروس، ومن مؤسساتٍ بدت أحياناً أقرب إلى السلطة منها إلى الخدمة. هذا واقعٌ يستحق أن يُقال بصدق، لا أن يُوارى بالصمت.

غير أنّ شربل، بحياته قبل كلماته، يُذكّرنا بأمرٍ يتجاوز كل خيبة: أنّ الإيمان لا يقوم على كمال من يخدمونه، بل يتجاوزهم إلى علاقةٍ مباشرة بين الإنسان وخالقه. هو نفسه لم يكن كاهناً مشهوراً ولا مُصلحاً كنسياً، بل راهباً بسيطاً اختار أن “يُصلح” العالم من زاويةٍ صغيرة في صومعته، بصلاته الخاصة لا بخطابٍ موجّه إلى أحد. ولعلّ رسالته لجيلنا اليوم أن نفرّق بين خيبتنا من بعض البشر، وبين حاجتنا العميقة، الإنسانية قبل أن تكون دينية، إلى لحظة صمتٍ نعرف فيها من نحن، بعيداً عن كل مؤسسة وكل شاشة.

قداسةٌ لا تحتاج إلى إذن،

أكثر ما يأسر القلب في سيرة شربل أنه لم يكن نخبوياً ولا بعيد المنال؛ كان فلاحاً بسيطاً عرف التراب والفأس قبل أن يعرف الصومعة. ولعلّ رسالته، لو عاش بيننا اليوم، كانت أوضح ما تكون: القداسة ليست حكراً على الرهبان، بل دعوةٌ مفتوحة لكل إنسان، أينما كان، وأياً كانت مهنته أو خيبته من هذا العالم. أن تكون صادقاً في عملك، رحيماً في تعاملك، أميناً لقيمك حين يسهل التخلي عنها، صامتاً حين يُغري الجميع بالكلام الفارغ – هذه، ببساطة، هي القداسة التي عاشها وأشعّت من صمته، وهي متاحةٌ اليوم كما كانت قبل قرنٍ ونصف.

صمتٌ يخاطب كل قلب،

لو كان القديس شربل على قيد الحياة اليوم، لَما احتاج إلى منبرٍ ولا إلى صوتٍ عالٍ، ولَما انشغل بالجدل حول من أخطأ ومن أصاب. كان سيكتفي، كما فعل طوال حياته، بأن يكون حاضراً، ثابتاً، صامتاً، مصلياً – تاركاً لكل من يقترب منه، لبنانياً كان أم غريباً، مؤمناً أم شاكّاً، أن يكتشف بنفسه أنّ أعمق الرسائل لا تُقال، بل تُعاش.

وربما، في نهاية المطاف، يكمن الدرس الأعمق لجيلنا في أنّ أزمتنا ليست في غياب الله، بل في ازدحام حياتنا بكل شيءٍ سواه. فلنُصغِ، ولو للحظة، إلى ذلك الصمت الذي ملأ عنّايا بالنور، ولنحمل شيئاً منه معنا، كلٌّ في زاويته، وكلٌّ في قريته، وكلٌّ في قلبه.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME