في حدود سريان قانون العفو العام رقم ٧٠ على الجريمة المحالة على المجلس العدلي: تحليل في ثنائية انقضاء الدعوى وتفريد العقاب

في حدود سريان قانون العفو العام رقم ٧٠ على الجريمة المحالة على المجلس العدلي: تحليل في ثنائية انقضاء الدعوى وتفريد العقاب.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
في ٩ أيلول ٢٠٢٦
حيث إن المسألة المعروضة تنتمي، من حيث طبيعتها القانونية، إلى صميم نظرية أسباب انقضاء الدعوى العامة (extinction de l’action publique)، وتستوجب تمييزًا أوليًا، مستقرًا في الفقه الجزائي المقارن، بين أثرين متمايزين لكل تشريع عفو: الأثر الأول ينصرف إلى محو الصفة الجرمية عن الفعل ذاته (l’effacement rétroactif du caractère délictueux)، والأثر الثاني ينصرف إلى مجرّد إعادة تفريد العقوبة (l’individualisation de la peine) دون مساس بقيام المسؤولية الجزائية؛
وحيث إن المشرّع اللبناني، بالقانون رقم ٧٠ تاريخ ٤ أيلول ٢٠٢٦، الموقّع من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، عمد إلى إرساء هذين الأثرين في نصين منفصلين ومستقلين، لكل منهما نطاق تطبيقي (champ d’application) خاص به لا يتماهى بالضرورة مع الآخر؛
وحيث إنه، من حيث الأثر الأول، فإن المادة الأولى منحت عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار ٢٠٢٦، مؤديًا إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية؛ إلا أن المادة الثانية استثنت من هذا الأثر بالذات، حصرًا لا مثالًا، الجرائم المحالة على المجلس العدلي أيًّا كانت مرحلة نظرها، سواء صدرت فيها الأحكام أم لم تصدر بعد؛
وحيث إن جريمة انفجار مرفأ بيروت المؤرخة في الرابع من آب ٢٠٢٠ محالة، بمقتضى المرسوم الصادر حينها، على المجلس العدلي، وموضوعة قيد التحقيق العدلي منذ تلك التاريخ؛ فتندرج بداهةً ضمن نطاق هذا الاستثناء الصريح، ولا تستفيد بالتالي من الأثر الأول للقانون، أي سقوط الدعوى العامة؛
وحيث إنه، من حيث الأثر الثاني، فإن المادة الثالثة أوردت حكمًا مستقلًا بذاته، بصيغة آمرة تعلو على أي نص مخالف (disposition dérogatoire d’ordre public)، مفادها استبدال سلّم العقوبات في الجرائم التي لم يشملها العفو، سواء صدرت فيها أحكام أم لم تصدر، وذلك على النحو الآتي: عقوبة الإعدام تُستبدل بثماني وعشرين سنة سجنًا، والأشغال الشاقة المؤبدة بسبع عشرة سنة سجنًا، وسائر العقوبات المتبقية تُخفَّض بمقدار الثلث؛
وحيث إن إطلاق هذا النص وعمومه، ومجيئه بصيغة “خلافًا لأي نص آخر”، ينفي أي قرينة على استبعاد الجرائم المحالة على المجلس العدلي من مظلته، إذ لم يرد نص خاص لاحق أو مقترن يُخرجها من عموم هذا الحكم؛ وهو ما يتفق مع القاعدة الأصولية القاضية بأن العام يبقى على عمومه ما لم يرد ما يخصصه (l’interprétation ne saurait ajouter une exception que le texte n’a pas prévue)؛
وحيث إن هذا التكييف ينسجم كذلك مع المبدأ الدولي المستقر في القانون الجزائي المقارن، والمعروف بمبدأ “القانون الأصلح للمتهم” (lex mitior)، القاضي بأن كل تعديل تشريعي لاحق يُخفف العقوبة يسري بأثر فوري على الوقائع السابقة له ما لم يستثنه المشرّع صراحة، وهو استثناء لم يرد بشأن جرائم المجلس العدلي في المادة الثالثة موضوع البحث؛
لهذه الأسباب، يتقرر أن جريمة الرابع من آب لا تندرج ضمن نطاق العفو العام بمعناه المسقط للدعوى العامة، وتبقى الولاية القضائية للمجلس العدلي والمحقق العدلي قائمة كاملة بشأنها؛ إلا أنها تدخل، من حيث المبدأ ودون حاجة إلى نص إضافي، في نطاق نظام التخفيض الاستثنائي للعقوبات المقرر بالمادة الثالثة من القانون ذاته، بحيث يُستبدل، عند ثبوت الإدانة مستقبلًا، سلّم العقوبة المحكوم بها وفق الجدول المشار إليه أعلاه؛ وهو تمييز جوهري بين مفهومي “الإفلات من الملاحقة” و”تخفيف العقاب”، لا يجوز الخلط بينهما دون مجانبة الدقة التقنية للنص.

