لبنان أمام اختبار القانون الدولي: المفاوضات مع إسرائيل بين الالتزام الدستوري وواقع الانقسام الداخلي. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف – في 16 نيسان 2026 إنّ المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي بدأت في نيسان ٢٠٢٦، تضع الدولة اللبنانية أمام امتحان تاريخي بين النظرية القانونية والواقع السياسي. فالقانون الدولي يكرّس مبدأ العقد شريعة المتعاقدين (المادة ٢٦ من اتفاقية فيينا لعام ١٩٦٩)، الذي يُلزم الدول بتنفيذ تعهداتها، فيما ينصّ الدستور اللبناني في المادة ٥٢ على أنّ رئيس الجمهورية يتولّى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية، على أن تُعرض على مجلس الوزراء وتُصدّق بقانون إذا كانت ذات طابع سياسي أو مالي أو تتعلق بحقوق اللبنانيين الأساسية

لبنان أمام اختبار القانون الدولي: المفاوضات مع إسرائيل بين الالتزام الدستوري وواقع الانقسام الداخلي.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف – في 16 نيسان 2026
إنّ المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي بدأت في نيسان ٢٠٢٦، تضع الدولة اللبنانية أمام امتحان تاريخي بين النظرية القانونية والواقع السياسي. فالقانون الدولي يكرّس مبدأ العقد شريعة المتعاقدين (المادة ٢٦ من اتفاقية فيينا لعام ١٩٦٩)، الذي يُلزم الدول بتنفيذ تعهداتها، فيما ينصّ الدستور اللبناني في المادة ٥٢ على أنّ رئيس الجمهورية يتولّى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية، على أن تُعرض على مجلس الوزراء وتُصدّق بقانون إذا كانت ذات طابع سياسي أو مالي أو تتعلق بحقوق اللبنانيين الأساسية.
وقد أكدت محكمة التمييز اللبنانية (قرار رقم ١٠٥/٢٠١٨) أنّ المعاهدات الدولية تصبح جزءاً من النظام القانوني الداخلي بعد التصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية، ما يجعلها ملزمة للقضاء والإدارة. غير أنّ المقارنة مع التجارب العالمية تكشف الفارق الجوهري: ففي فرنسا، رسّخت محكمة النقض (قرار Jacques Vabre عام ١٩٧٥) أنّ المعاهدات تسمو على القوانين الداخلية، وفي ألمانيا كرّست المحكمة الدستورية الاتحادية (قرار Solange I عام ١٩٧٤) أنّ المعاهدات الأوروبية لها قوة إلزامية تفوق التشريع الوطني، أما في الولايات المتحدة فقد نصّ الدستور في المادة السادسة على أنّ “المعاهدات المبرمة تُعتبر القانون الأعلى للبلاد”، ما يمنحها مرتبة السمو على التشريعات الفدرالية.
هذه النماذج تكشف أنّ لبنان، وإن كان يقرّ بالإلزامية بعد التصديق، إلا أنّه لا يمنح المعاهدات صراحةً مرتبة السمو على القوانين الداخلية، ما يفتح الباب أمام إشكالات في التنفيذ العملي ويُضعف مصداقية الدولة أمام وضوح المطالب الإسرائيلية.
إنّ هذه الإشكالية تضع لبنان أمام معادلة دقيقة: بين واجب احترام التزاماته الدولية وبين واقع داخلي يهدّد بعرقلة التنفيذ، ولعلّ الحل يكمن في تعديل دستوري صريح يمنح المعاهدات الدولية مرتبة السمو على القوانين الداخلية، على غرار النموذج الفرنسي والألماني والأميركي، بما يضمن وحدة القرار الوطني ويُعيد للدولة قدرتها على الوفاء بتعهداتها أمام المجتمع الدولي، ويمنحها مصداقية في مواجهة وضوح المطالب الإسرائيلية، ويضعها في موقع الدولة القادرة على تحويل التحديات إلى فرصة لإصلاح دستوري يعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها.
القانون لا يرحم التردد، والمعاهدات لا تنتظر الانقسام.

