نقابة المحامين في بيروت، حين تكون الميثاقية أسمى من كل انتماء! المحامي كميل حبيب معلوف

نقابة المحامين في بيروت، حين تكون الميثاقية أسمى من كل انتماء!
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٢ أيلول ٢٠٢٦
في وطنٍ أنهكته الانقسامات، وتوزّعت فيه الولاءات بين حزبٍ وطائفة ومذهب، تبقى نقابة المحامين في بيروت، بحكم تاريخها وتكوينها، من آخر الحصون التي يُفترض أن تصمد أمام رياح التجاذب السياسي والطائفي. فالمحاماة، في جوهرها، ليست مهنة تُمارَس فحسب، بل رسالة تُصان، وأمانة تُحمَل، ومسؤولية أخلاقية تسمو فوق كل حسابٍ ضيق. ومن هنا كانت الميثاقية التي تأسست عليها هذه النقابة العريقة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل نهجاً يومياً يقوم على استقلالية القرار، ونزاهة الموقف، وتجرّد الانتماء المهني من كل ما يُشتّت وحدته.
لقد عرفت نقابة المحامين في بيروت، منذ نشأتها، أجيالاً من النقباء الذين أدركوا أن قوة النقابة لا تكمن في اصطفافها خلف هذا الفريق أو ذاك، بل في بقائها بيتاً جامعاً لكل المحامين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية ومشاربهم الدينية. فالمحامي الذي يقف أمام القضاء مدافعاً عن موكله، لا يُسأل عن حزبه أو طائفته، بل عن كفاءته ونزاهته والتزامه بأصول المهنة وقواعدها. وهذا بالذات ما يمنح صوت النقابة، حين يرتفع، مصداقيته وهيبته: أنه صوتٌ لا يتكلم باسم فئة، بل باسم العدالة ذاتها.
وليست هذه الميثاقية مجرد قيمةٍ أخلاقية عائمة، بل هي مبدأٌ راسخ في صلب النصوص الناظمة لمهنتنا. فقانون تنظيم مهنة المحاماة رقم ٨ تاريخ ١١ أيلول ١٩٧٠، إذ أناط بالنقابة استقلاليتها الإدارية والمالية، إنما أراد أن تبقى هذه المؤسسة بمنأى عن أي وصايةٍ أو تبعية، تماماً كما كرّس الاجتهاد الدستوري اللبناني مبدأ استقلالية النقابات المهنية بوصفها ضمانة أساسية لحرية المهنة ولحياد أدائها. والقسَم الذي يؤديه كل محامٍ لدى انتسابه، والذي يلتزم بموجبه “أن يحافظ على شرف المهنة وكرامتها”، ليس صيغة شكلية تُتلى وتُنسى، بل عهدٌ يستحضر في كل كلمةٍ منه معنى التجرّد من كل ولاءٍ يعلو على الولاء للقانون وللعدالة.
وما نراه اليوم من مواقف حرص فيها نقيب المحامين في بيروت الأستاذ عماد مرتينوس على إبقاء النقاشات التشريعية الكبرى، ولا سيما ما يتصل منها بقانون العفو العام، تحت سقف الدستور بمنأى عن كل تفصيلٍ طائفي أو حساب ضيق، إنما هو تجسيدٌ حيّ لهذه الميثاقية التي نتحدث عنها؛ كما أن دعوته المتكررة إلى ضبط الخطاب بين الزملاء أنفسهم، وصون كرامة المهنة من الانزلاق نحو لغة الاستقطاب على منصات التواصل، تُذكّرنا بأن حراسة هذا الإرث ليست مسؤولية تاريخية فحسب، بل ممارسة يومية تتجدد مع كل موقف ومع كل قرار، وهي مواقف تستحق كل التقدير والاحترام.
ولعل أبلغ رسالة تُستشفّ من نهج النقيب مرتينوس في هذا السياق هي التحذير الضمني والمتكرر من مغبّة غياب الميثاقية عن أي استحقاقٍ نقابي مقبل، سواء لدى من يترشح لتمثيل الزملاء أو لدى من يختار بصوته من يمثّله. فالمرشح الكريم الذي يطرق أبواب النقابة، إن حمل معه ولاءً حزبياً أو مذهبياً بدل الولاء الخالص لقَسَمه ولمصلحة المهنة، يكون قد فرّط في أمانة الترشح قبل أن يفوز بها؛ والناخب الفاضل الذي يمنح صوته على أساس الكفاءة والنزاهة لا على أساس الانتماء، إنما يصون بذلك أمانة استمرت أجيالاً. وهذا التذكير، الذي يحمل في طياته حرصاً صادقاً على مستقبل المؤسسة، يستحق أن يتحول إلى ميثاقٍ أخلاقي يلتزمه كل مرشحٍ وكل ناخب على حدٍّ سواء: أن يبقى القسَم فوق كل حساب، وأن تبقى الكفاءة والنزاهة هما المعيار الوحيد لا غير.
والمحامون القدامى، الذين خبروا زمناً كانت فيه النقابة أكثر تماسكاً وأبعد عن الاستقطاب، يدركون أكثر من غيرهم قيمة هذا الإرث، ويدركون أيضاً ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق كل من يتولى تمثيل المهنة، سواء في مجلس النقابة أو في نقابتها، في أن يبقى أميناً على هذا التوازن الدقيق بين حرية الرأي الفردي واستقلالية المؤسسة الجماعية. فالنقيب، أياً كان، ليس ممثلاً لتيارٍ بعينه، بل حارساً على وحدة الجسم المهني بأسره، وهذا هو الاختبار الحقيقي لكل من يتصدى لهذا الموقع الرفيع، وهو اختبارٌ ندرك جميعاً، محامين قدامى وجدداً، أننا مدعوون للنجاح فيه معاً لا فرادى.
إن استعادة هذا المعنى العميق للميثاقية، في زمنٍ تتزايد فيه محاولات الاستقطاب والتجاذب، ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لبقاء النقابة قادرة على أداء دورها التاريخي في الدفاع عن استقلالية القضاء، وصون حقوق المتقاضين، وحماية الحريات العامة. فالمحاماة التي تتحرر من قيد الحزب والدين، هي وحدها القادرة على أن تخاطب الجميع بلغة واحدة، هي لغة القانون والعدالة والإنصاف، وهي وحدها التي تستحق أن تحمل اسم “نقابة” بمعناه الأصيل: جماعة مهنية متراصة، لا تفرقها الانتماءات، ويجمعها القسَم وحده.
وإذ نستحضر هذه القيم، فإننا نستحضر معها أمانة الكلمة التي حملها كل من سبق إلى هذا الموقع من النقباء، ونستذكر أن الوفاء الحقيقي لهذا الإرث لا يكون بالخطاب، بل بالممارسة اليومية الصامتة، وبالثبات على المبدأ حين تشتد الضغوط، وبالجرأة على قول الحق ولو كان مُرّاً. فتلك هي الميثاقية التي نريدها لنقابة المحامين في بيروت: ميثاقية لا تُجامل أحداً، ولا تُقصي أحداً، وتبقى، مهما تغيرت الظروف، بيتاً لكل محامٍ يؤمن بأن مهنته أكبر من كل انتماء، وأن رسالته أسمى من كل حساب.
وفي ختام هذه الكلمة، يبقى السؤال الذي يستحق أن يشغل كل واحدٍ منا، قديماً كان في المهنة أم حديث العهد بها: من يا تُرى يستطيع أن يجسّد هذه الميثاقية بحذافيرها، فيكون أميناً على وحدة النقابة، وحارساً على استقلاليتها، وصوتاً لا يعرف إلا لغة القانون والعدل؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ملكاً لأحد، بل هي أمانةٌ يحملها كل محامٍ في وجدانه، يستحضرها كلما وقف أمام صندوق الاقتراع، أو كلما فكّر في أن يترشح هو نفسه لحمل هذه الرسالة.

