كتب غانم عاصي المحامي جان نسيب الحوّاط.. كتاب “تجربتي” كنز لمكتباتكم ولمكتبتي في ليلة تشرينية، متأهّبة لاستقبال مناخات خريفية، قصدنا تلك الدوحة

المحامي جان نسيب الحوّاط..
كتاب “تجربتي” كنز لمكتباتكم ولمكتبتي
في ليلة تشرينية، متأهّبة لاستقبال مناخات خريفية، قصدنا تلك الدوحة الجبيلية، بدعوة من هامة قانونية، وقامة وطنية إلى المشاركة في توقيع كتاب “تجربتي”. وقد قادتنا إلى ذلك الاحتفال، مشاعر الحنين إلى حمى الماضي العريق، وكما حملتنا مصداقية تلك العلائق السامقة التي ربطت الآباء والأجداد بتلك البيوتات التي تنتمي إلى “مدرسة الأوادم” والتي على امتداد الزمن رفعت مشعل الوطنية الحقّة.
وما إن ولجنا تلك المناسبة الثقافية والتاريخية والسياسية والوطنية، حتى اصطففنا على المدخل، وسط استقبال مميّز من الأحبّة والأقارب وفي طليعتهم الأستاذ زياد الحوّاط سعادة النائب. وراحت التحيات تخترق حبل الانتظار المغمور بالسلامات المفعمة بالشوق والإبتسامات. إلى أن بلغنا تلك المنصة حيث يتربّع المؤلف الغارق في التواقيع المترافقة مع أصدق التعابير، وهو الذي ساهم مع من ساهم من الجبيليين الأحرار في جمع التواقيع على وثيقة التعايش فيما عرف “بميثاق عنايا” وقد كتبت بمداد الإيمان ووقعت تحت رعاية وهج القداسة، صونا للسلم الأهلي وعيُشا للأخوة بين أبناء المنطقة الواحدة، وذلك كان مع بداية الحرب اللبنانية، وهذا ما جعل من بلاد جبيل قدوة الوطن وفي الوطن.
إنه الأستاذ جان الحوّاط، المحامي المخضرم والرمز الجبيلي والرجل الوطني صاحب الإطلالة الإنسانية، والذي رافق مرحلة طويلة من عمر الوطن، تقلبّت بين السلام والازهار وبين الحرب والانهيار، فاكتسب تجربة رائدة، كان لا بد من تأريخها بذاكرته المتقدة ويراعه الحر، متكّئاً على مبادئه السياسية التي نهلها من معين حزب الكتلة الوطنية. وما جمعه من علاقات وثيقة مع أركان ذلك الحزب وفي طليعتهم العميد الضمير ريمون إده، وإن كان قد عكّر صفو تلك العلاقة الخلاف في الرأي حول القناعة بمقاطعة الانتخابات زمن الوصاية والاحتلال من جهة، وعدم القناعة بتلك المقاطعة من جهة أخرى، ما بين العميد العنيد والأمين الأمين، ممّا أدّى إلى طلاق حزبي وفراق قسري، ما استساغه يوماً من رافق المسيرة الكتلوية والإدّاوية، والتاريخ هو يحكم….!
ونحن من معشر الإدّاويين الذين وعينا على هذه النخبة، ومنهم الأستاذ جان، الذي عرفناه صديقاً لعائلتنا وجاراً لضيعتنا، وقد أمسى رمزا للكتلة ومرجعا للوطنيين، رغم كل ما تعرّض له من تهديد وتضييق خلال أيام الحرب وفي فترة الغياب القسري لعميد الحزب.
وقبل أن نتوغل في الكتاب، وتنقلب بين دفّتيه، على أمل مطالعته صفحة صفحة، قلّبنا بعض محتواه بين الكلمات والصور، كما قلّبنا وجود الحاضرين من المتابعين والمحبّين والمثقّفين فاستشرفنا ما يكتنزه من مضمون، لأننا نعرف حق المعرفة من يكون هذا الرجل الرابض على مشارف التسعين والغارف من خبرة السنين.
ولما حصلنا على التوقيع، رحنا نبحث عن مكان حاضن للإصغاء، بينما كانت المواقع الإعلامية، تسرح بأبصارها وهي تجوب ذلك البهو الواسع، فترصد صورها، سواء جماعية، أو لمن تنتقيهم أو يروقون لها من الوجوه الحاضرة!
ثم صدح صوت مقدّم الاحتفال المربّي وليم مراد بأدبه الراقي ووقفته المنبرية، داعيا إلى “الإفراج عن المؤلف من مهمّة التوقيع” حتى كان التجاوب استهلالا للافتتاح على وقع النشيد الوطني اللبناني.
وكانت الكلمة الأولى المعطّرة بالذوق واللياقة، والمفعمة بالشكر واللباقة، والنابعة من قلب فلذة أكباد الأستاذ جان، السيدة باتريسيا الحوّاط.
واعتلى المنبر ثانية، متكلّما بلهجته الشمالية، وعابقا بنكهته الوطنية، من حمل محبّته الصادقة من قلب الفيحاء إلى قلب بلاد الحرف، شارحا وسارحا في مضمون “تجربتي” مقيّما المراحل التاريخية ومستعينا بتجربته الغنيّة، ألا وهو معالي النقيب رشيد درباس.
أما مداخلة الدكتور عصام خليفة ذلك “الفلاح من جرد البترون” كما يحب أن يعرَّف عنه، فقد استحالت مطوّلة تاريخية غاصت إلى عمق أعماق ما يكتنزه الكتاب، فصبرنا وسبرنا من أغوار معرفته، ما أمكن من عقيق معلوماته الجديدة، وما تيسّر من اكتشاف للشخصيات العديدة.
كما أن ابن قرية الربحانه الجبيلية الدكتور مروان أبي فاضل والذي نفتخر به كما يفتخر بأصوله الحصاراتية، فقد وضع فكره على جوهر الكتاب، عبر جولة مقتضبة ومعبّرة، وتستند إلى مزايا في الوطنية من منجم الكتلة الوطنية.
وحضرت بعدها على مائدة الفكر اللبنانية تلك “المازة” التراثية الحاضرة من خلال القصيدة الزجلية للشاعر الصديق فيكتور ميرزا.
وخلال هذا البرنامج الغني، كم أسعدتنا لحظات التصفيق كلما ذكر اسم العميد ريمون إده، أو كلما جرى التطرق إلى حزب الكتلة الوطنية مع ما يعني ذلك من التاريخ الناصع المتوّج بالإسم اللامع. وهنا استنفرت أحاسيسي، وتأهبت ذاكرتي، مسترجعة المشاركة في اللقاء العالمي للشبيبة في صيف ١٩٩٧ مع البابا القديس يوحنا بولس الثاني في باريس، حيث كنا قد استغلينا وجودنا في فرنسا بأن قصدنا العميد إده في منفاه الاختياري. وكان أن سألنا عن نيّتنا في تشجيع العشاء السنوي العائد للحزب؟ خاصة بعد استقالة الحوّاط منه. وكان جوابنا وبكل صدق ونحن معشر “الإدّاويين” لا نتأثّر أبدا بآراء وأضاليل المصطادين بالماء العكر، وكان أن شهدنا بأن الأستاذ جان صديق عزيز كان وسيبقى، ولم يحرّض يوما على ما يسيء إلى حزب طالما تباهى بنظافة كفّه وبعدم إهراقه للدماء…. وسيبقى يفاخر بتاريخ هذا الحزب وبوقفاته الذي يشهد لها الخصم والصديق.
أما وقد أشرف برنامج الاحتفال على الختام، فلقد ابتهج قلبي وهلّلت روحي، لمصافحة يد البركة ولمعانقة وجه الخير، أي “الست ماري الشامي” وهي التي حملت من السنوات ما يزيد على التسعين، وما زالت تمتلك الحس الإنساني والحضور الوجداني: “إشتقنالك يا غانم…”
وأخيراً، لا يسعنا إلا أن نقول بأن الأستاذ جان الحوّاط، من الأشخاص الذين يصعب إختصار مسيرتهم، وإن حاولوا اختصارها بأنفسهم على متن سفينة الكتاب، لأن أثرهم وتأثيرهم لا ولن يعرف الغياب.
أما كتاب “تجربتي” فهو كنز ثمين لمكتباتكم ولمكتبتي. وإلى المزيد المزيد، مع أطيب التمنيات بدوام الصحة والعمر المديد.
غانم إسطفان عاصي
حصارات في٧_١١ ٢٠٢٦

