مقاهي بيروت… مرافئ الذاكرة في زمن الانهيار بقلم أنطوان العويط في بلدٍ يُنحر كلَّ يوم، وينتحر على إيقاع الثواني، حيث الموتُ نشرةٌ مفتوحة، والعاجلُ أكثر حضورًا من الحياة، وحيث تضيق المقابر بأهلها فيما تُجرَّف القرى ويُهجَّر الناس كأنّهم فائضُ وجعٍ في هذا العالم اللئيم، أحنّ إلى بيروت التي كانت تُقرأ من طاولات مقاهيها، لا من بيانات الحروب، ولا من خرائط الخراب، ولا من عدّادات الفقد التي لا تهدأ

20/05/2026
IMG-20260423-WA0373

مقاهي بيروت… مرافئ الذاكرة في زمن الانهيار

بقلم أنطوان العويط

في بلدٍ يُنحر كلَّ يوم، وينتحر على إيقاع الثواني، حيث الموتُ نشرةٌ مفتوحة، والعاجلُ أكثر حضورًا من الحياة، وحيث تضيق المقابر بأهلها فيما تُجرَّف القرى ويُهجَّر الناس كأنّهم فائضُ وجعٍ في هذا العالم اللئيم، أحنّ إلى بيروت التي كانت تُقرأ من طاولات مقاهيها، لا من بيانات الحروب، ولا من خرائط الخراب، ولا من عدّادات الفقد التي لا تهدأ.
أحنّ إلى العاصمة التي كانت، رغم الدمار كلّه، قادرةً على أن تصنع من فنجان قهوة معنىً للحياة، ومن حوارٍ عابر احتمالًا أخيرًا للانعتاق.
هناك، في الزوايا المشبعة بدخان السجائر القديمة، وفي الكراسي التي حملت تعب الشعراء والعشّاق والمنفيّين، وُلدت بيروت مرارًا، وذُبحت مرارًا أيضًا، ثمّ نهضت في كلّ مرّة كأنّها مدينةٌ لا تعرف كيف ترفع الراية البيضاء ولا الاستسلام، ولا تُجيد سوى التمرّد على السقوط، والتعلّق العنيد بولع الوجود.
المقهى البيروتيّ لم يكن يومًا مجرّد مكانٍ لشرب القهوة، بل فضاءً متأمًّلا، ساحرًا، وملهمًا، تنعقد فيه الأرواح قبل الجلسات، وفيه تُولد على طاولاته الأحلام والأفكار والحكايات.
هو جمهوريّةٌ صغيرةٌ خارج الانهيار الكبير، ومساحةٌ يختبر فيها اللبنانيّ معنى أن يكون فردًا لا تابعًا، وصوتًا لا صدى. أن يجلس وحيدًا أمام فنجانه، كأنّه يجلس أمام مصيره الشخصيّ، فيما العالم من حوله يتداعى كجدارٍ متعبٍ يوشك أن ينهار.
في أماكن كثيرة من هذا العالم الخارجيّ، اللبنانيّ والعربيّ، تُبنى العلاقات على الخوف، وتُدار الحياة بمنطق الظلم والتصنيف والاقتلاع. هناك، حيث تُطفأ المدن بالقذائف، وتتحوّل البيوت إلى ركام، والناس إلى أرقامٍ في نشرات الأخبار، يغدو المقهى مجرّد محطةٍ ظرفيّة للهروب أو الانتظار، لا فضاءً للعيش ولا مساحةً لاكتشاف الذات.
أمّا في بيروت، فقد كان المقهى فعلَ مواجهةٍ مع العدم، وعصيانًا ناعمًا ضدّ التوحّش. كان مكانًا يُعاد فيه ترميم الإنسان بالكلمات، فيما الخارج يُتقن تمزيقه بالحديد والنار.
في مدنٍ كثيرة تُبنى السلطة داخل القصور. أمّا في بيروت، فكانت تُصاغ أحيانًا حول طاولةٍ خشبيّةٍ ضيّقة، تعلوها جريدة، ودفترُ ملاحظات، وكتابٌ مترجمٌ حديثًا، ونقاشٌ يمتدّ حتى انطفاء الليل.
كانت المقاهي تُشبه المرافئ السرّيّة؛ كلُّ عابرٍ يحمل منفاه الداخليّ يجد فيها مقعدًا مؤقّتًا للحياة. هذا الهارب من النكبات، وذاك المطارد من الرقابة وعسس المخابرات، وذلك الخارج من نرجسيّة الطغاة، وذاك اللبنانيّ الناجي بالكلمات من القهر والاستبداد والإذلال والكبت والحيف والغبن، ومن موتٍ يتسرّب إلى تفاصيل العمر يومًا بعد يوم، والشاعر الذي لا يملك من العالم سوى دفترٍ وقلبٍ مرتبك… جميعهم كانوا يجدون في بيروت مساحةً للتنفّس، كأنّ المدينة خُلقت لتجمع القلق اللبنانيّ والعربيّ كلّه حول فنجان قهوة.
في تلك المقاهي، لم يكن الأدب ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورةَ نجاة. كانت القصيدة تُكتب كأنّها دفاعٌ أخير عن الإنسان، والرواية محاولةً لفهم هذا الشرق المشتعل والمتألّم بلا انقطاع. أمّا النقاشات، فكانت مبارزاتٍ وجوديّة بين الإيمان والشكّ، بين الثورة واليأس، بين الحلم والهاوية.
بيروت القديمة لم تكن رائعة لأنّها كانت غنيّة أو منظّمة أو آمنة، بل لأنّها كانت حيّة. فقد امتلكت تلك الفوضى النادرة التي تُنتج الفنّ والفكر والإبداع. المدن المطمئنّة تنام باكرًا، أمّا بيروت فكانت تسهر على أسئلتها، ولهذا غدت عاصمةً ثقافيّة رغم جراحها، وربّما بسببها.
كان يمكن أن ترى شاعرًا كبيرًا قرب طالبٍ مفلس، وصحافيًّا مشهورًا يتجادل مع رسّامٍ مجهول، وممثّلةً شابّةً تضحك بصوتٍ مرتفع كأنّها تتحدّى المدينة كلّها. داخل المقهى، كانت الطبقات الاجتماعيّة تذوب إلى حين، وتتشكل لحظةُ وهمٍ جميلٍ بأنّ البشر قادرون على اللقاء خارج الطوائف والأسلاك الشائكة.
ثمّ بدأت المدينة تتآكل. صار الضوء أخفّ، والمكتبات تُغلق أبوابها كأنّها تنطفئ من الداخل. الوجوه التي صنعت ذاكرة بيروت هاجرت أو شاخت بصمت. الجرائد تقلّصت، واللغة نفسها بدت متعبة. حتى المقاهي لم تعد كما كانت؛ أكثرها اندثر أو تحوّل إلى أمر مختلف، وبعضها تحوّل إلى ديكورٍ بلا روح، فيما القليل الباقي يقاوم وسط اقتصادٍ منهار ومدينةٍ تُستنزف كلّ يوم.
ومع ذلك، لم تمت المعجزة البيروتيّة تمامًا. ما زال ثمّة من يكتب قصيدةً قرب نافذة، وامرأةٌ تقرأ روايةً فيما العتمة تبتلع الحيّ، وشابّ يناقش فكرةً فلسفيّة بحماسةٍ لا تبدو منسجمةً مع هذا العالم المنهك. وما زال هناك مقهى يفتح أبوابه كلّ صباح، كأنّه يعلن بعنادٍ خافت أنّ الثقافة ليست ترفًا، بل شكلٌ من أشكال البقاء.
لهذا، حين نجلس اليوم في مقهى بيروتيّ، لا نستكين في مكانٍ عَرَضيّ، بل في طبقات الذاكرة، وفي تاريخٍ مكتظّ بالكتب والخيبات والحبّ والحروب والأحلام المؤجّلة. كلّ طاولة تحمل أثر الذين مرّوا قبلنا، وكلّ فنجان قهوة يبدو كأنّه محاولةٌ صغيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من روح المدينة.
بيروت التي نحبّها ليست الأبراج الزجاجيّة ولا الإعلانات الضخمة ولا الضجيج الفارغ، وليست في المقابل تفلّت هرجها العبثيّ ولا شعاراتها التي تتزيّن بالظلام حين تفقد المعنى.
بيروت الحقيقيّة تسكن في تلك التفاصيل البهيّة، الجميلة، الزاهية، المشرقة، الرائعة، المتألّقة، والمتواضعة. في مكتبةٍ ضيّقة، ومسرحٍ صغير، وقصيدةٍ تُقرأ بصوتٍ منخفض، وفي مقهى لا يزال يؤمن بأنّ الإنسان أهمّ من أيديولوجيات السوق كما من صلابة العقائد، وأنّ الفكرة أسمى من الغريزة، وأنّ الحرّيّة، مهما انكسرت، تبقى آخر ما يستحقّ الدفاع عنه
لهذا يبدو ما تبقّى من مقاهي بيروت أشبه بشموعٍ تُضاء داخل عاصفة. قد لا تمنع الخراب، لكنّها تحول دون اكتمال العتمة.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME