الابتزاز الإلكتروني: بين فراغ التشريع وضرورة بناء منظومة رقمية حديثة ، مقاربة قانونية متخصّصة. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف في ١١ أيار ٢٠٢٦

12/05/2026
IMG-20260428-WA0087

الابتزاز الإلكتروني: بين فراغ التشريع وضرورة بناء منظومة رقمية حديثة ، مقاربة قانونية متخصّصة.

بقلم المحامي كميل حبيب معلوف في ١١ أيار ٢٠٢٦

يشهد لبنان تحوّلاً جذرياً في طبيعة الجريمة، بعدما انتقلت ساحات الاعتداء من الشارع إلى الشاشة، ومن السلاح التقليدي إلى الهاتف الذكي. فالابتزاز الإلكتروني لم يعد فعلاً عابراً، بل جريمة رقمية مركّبة تُصيب السمعة والكرامة والخصوصية في الصميم، وتستفيد من ثغرات تشريعية باتت مكشوفة أمام تطوّر التكنولوجيا.

ورغم غياب قانون موحّد للجرائم الإلكترونية، يعتمد النظام القانوني اللبناني على مجموعة نصوص متفرّقة لتجريم أفعال التهديد والابتزاز. فالمادة ٦٥٠ من قانون العقوبات تُعاقب على التهديد بقصد تحقيق منفعة غير مشروعة، فيما تُجرّم المادتان ٥٨٢ و٥٨٤ الذم والقدح والتحقير عبر وسائل النشر، بما فيها الوسائط الرقمية. ويُحظر بموجب القانون رقم ١٤٠/١٩٩٩ اعتراض المخابرات أو تسجيلها بصورة غير قانونية، بينما يضع القانون رقم ٨١/٢٠١٨ إطاراً عاماً لحماية البيانات الشخصية والمعاملات الإلكترونية.

غير أنّ هذه النصوص، على أهميتها، لم تُصمَّم لمواجهة الجريمة الرقمية الحديثة. فهي تفتقر إلى تعريفات دقيقة للمفاهيم التقنية، ولا تتضمّن آليات فورية لإزالة المحتوى غير المشروع، ولا تمنح القضاء صلاحيات تقنية متقدّمة، كما أنّ الغرامات المالية فقدت قيمتها الردعية بفعل الانهيار النقدي. وهكذا يجد القاضي نفسه أمام جريمة تحدث في ثوانٍ، وقانون يتحرّك بإيقاع بطيء لا ينسجم مع طبيعة الفضاء الرقمي.

وتُظهر التجارب المقارنة أنّ التشريع المتقدّم هو الركن الأساس في حماية المجتمع. ففي الولايات المتحدة تُلاحق جرائم الابتزاز الإلكتروني كجرائم فيدرالية خطيرة، وتملك السلطات صلاحيات واسعة لتعقّب الحسابات والتحويلات الرقمية، مع قوانين صارمة تحظر نشر الصور الحميمة دون موافقة أصحابها. أما فرنسا فتعتمد آلية أوامر قضائية مستعجلة لإزالة المحتوى المسيء فوراً، حمايةً للكرامة الإنسانية. وفي الإمارات العربية المتحدة، تتشدّد العقوبات لتشمل السجن والغرامات المرتفعة حتى في حالات التهديد قبل النشر.

إنّ لبنان اليوم أمام ضرورة تشريعية لا تحتمل التأجيل: إقرار قانون عصري مستقل للجرائم الإلكترونية. قانون يضع تعريفات واضحة، ويقرّ عقوبات رادعة، ويمنح القضاء صلاحيات تقنية فورية، ويُلزم المنصّات الرقمية بالتعاون في إزالة المحتوى غير المشروع خلال ساعات. فالجريمة الرقمية لا تُواجه بنصوص متفرّقة، ولا تُعالج بإجراءات بطيئة، ولا تُردع بعقوبات فقدت قيمتها.

وعلى المستوى العملي، يبقى وعي الضحية جزءاً من المنظومة الوقائية. فالخطوة الأولى عند التعرّض للابتزاز هي توثيق الأدلة وعدم حذف أي رسالة أو صورة، والامتناع عن الاستجابة للمبتز، ثم التواصل مع مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية والملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي، والاستعانة بمحامٍ متخصص لملاحقة الفاعل وحماية الحقوق.

فالابتزاز الإلكتروني ليس جريمة تقنية فحسب، بل اعتداء مباشر على الحق في الخصوصية والكرامة والأمان الشخصي. وبين تطوّر الجريمة وبطء التشريع، يبقى الإصلاح القانوني ضرورة وطنية، ويبقى الوعي القانوني خط الدفاع الأول.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME