المرفأ بين القضاء اللبناني والدولي: قراءة قانونية لما بعد الذكرى السادسة بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف بيروت، ٤ آب ٢٠٢٦

04/08/2026
IMG-20260428-WA0087

المرفأ بين القضاء اللبناني والدولي: قراءة قانونية لما بعد الذكرى السادسة

بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت، ٤ آب ٢٠٢٦

تمرّ اليوم الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد كارثة عابرة في تاريخ لبنان، بل جرحاً غائراً في جسد العاصمة وذاكرة أهلها، خلّف أكثر من مئتين وعشرين شهيداً وستة آلاف وخمسمئة جريح، ودمّر أحياءً بأكملها كانت تنبض بالحياة والتراث المعماري. وفي هذه المناسبة الأليمة، لا يسعنا كمحامين وكمواطنين إلا أن نستحضر هذه الجريمة الكبرى بكل أبعادها الإنسانية والقانونية والدستورية والدولية، بعيداً عن أي مزايدة سياسية أو تجاذب فئوي، لأن قضية بهذا الحجم من الفجيعة تتجاوز الحسابات الضيقة وتستوجب نظرة شاملة توازن بين حرمة القانون وحق الضحايا وهيبة الدولة.

فمن الناحية القضائية، شهد العام السادس على الجريمة تطوراً لافتاً بعد سنوات من التعطيل، إذ أقفل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحقيقاته أواخر آذار الماضي، بعد ادعائه على نحو سبعين شخصاً من سياسيين وقادة أمنيين وعسكريين وموظفين، وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية. وتشير معطيات موثوقة إلى أن المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب يستعد لتقديم مطالعته في النصف الثاني من شهر أيلول المقبل، وهو ما قد يفتح الباب أمام صدور القرار الظني خلال أسابيع قليلة تالية، تمهيداً لإحالة الملف إلى المجلس العدلي المختص وحده بالبت في المسؤوليات، على أن يُنجَز ذلك، بحسب المعطيات المتوفرة، قبل نهاية العام الحالي.

وثمة بعدٌ لم يُسلَّط عليه الضوء بالقدر الكافي في المقالات السابقة، وهو المسار القضائي الدولي الموازي للملف. فمنذ الأسبوع الأول للانفجار، فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً قضائياً بجرمي القتل غير المتعمد والتسبب بإصابات غير متعمدة، استناداً إلى وجود ضحيتين فرنسيتين على الأقل وأكثر من تسعين جريحاً فرنسياً، وأرسل القضاء الفرنسي استنابات قضائية إلى لبنان لم تلقَ جواباً طوال سنوات بسبب تعليق التحقيق المحلي. وقد أوفد القضاء الفرنسي في الأشهر الأخيرة وفداً قضائياً سلّم نظيره اللبناني تقريراً فنياً شاملاً أعده خبراء فرنسيون حول أسباب الانفجار، كما وردت إلى لبنان طلبات استفسار رسمية من ألمانيا وهولندا وأستراليا، وهي دول سقط لها ضحايا في الكارثة، تسأل عن مستجدات التحقيق وموعد صدور القرار الاتهامي. وهذا التزامن بين المسار اللبناني والمسارات الأجنبية يطرح إشكالية قانونية دقيقة في فقه القانون الدولي الخاص والجزائي، هي إشكالية «التنازع الإيجابي في الاختصاص القضائي الدولي»، إذ يحق لهذه الدول، بحكم مبدأ الاختصاص الشخصي السلبي، ملاحقة الجرم أمام محاكمها إذا ما تبيّن تقاعس أو تعطّل القضاء المحلي عن إحقاق الحق، وهو ما يستدعي من الدولة اللبنانية تعاوناً قضائياً استباقياً وفعلياً مع هذه المسارات حفاظاً على سيادتها القضائية قبل أن تُفرَض عليها نتائج تحقيقات خارجية.

أما على صعيد الحلول العملية التي أراها ضرورية ولم تُطرح بالوضوح الكافي في النقاش العام، فأولها إنشاء «صندوق مستقل لتعويض ضحايا انفجار المرفأ»، على غرار نماذج مقارنة معتمدة دولياً كصندوق ضمان ضحايا الأعمال الإرهابية والجرائم الجماعية الفرنسي، أو صندوق تعويض ضحايا الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة، بحيث يُموَّل هذا الصندوق من أموال الخزينة والمساعدات الدولية المخصصة لإعادة الإعمار، على أن يُفصَل تعويض الضحايا مدنياً عن مسار تحديد المسؤولية الجزائية، فلا يبقى حق التعويض رهينة تعقيدات القرار الاتهامي وما بعده من محاكمة قد تستغرق سنوات إضافية. وثانيها تفعيل آلية الحجز الاحتياطي على أموال وموجودات المدعى عليهم، استناداً إلى القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية المتعلقة بالتدابير التحفظية، وبالتنسيق مع هيئة التحقيق الخاصة في مكافحة تبييض الأموال، بما يضمن عدم تهريب هذه الأموال أو التصرف بها قبل صدور الأحكام النهائية، وهو إجراء قانوني متاح اليوم ولم يُستثمر بالقدر الكافي. وثالثها تمكين أهالي الضحايا من ممارسة حق الادعاء الشخصي المباشر أمام المجلس العدلي فور إحالة الملف إليه، مع تسهيل تمثيلهم القانوني الجماعي، تماماً كما هو معمول به في قضايا الضحايا المتعددين أمام القضاء الفرنسي والمقارن.

ومن الناحية الدستورية، تبقى قضية المرفأ نموذجاً حياً لإشكالية التوازن بين مبدأ الفصل بين السلطات وحق القضاء في ممارسة عمله دون عرقلة، بعدما واجه القاضي البيطار محاولات متكررة لكف يده عن الملف، قبل أن تصدر القرارات القضائية اللاحقة التي أكّدت شرعية استئنافه لأعمال التحقيق، وهي سابقة تستحق أن تُدرَّس أكاديمياً في فقه القانون الدستوري والجزائي اللبناني.

وختاماً، فإن الذكرى السادسة لانفجار المرفأ ليست مناسبة للنعي فحسب، بل استحقاق وطني وقانوني لتذكير الجميع، بمن فيهم القضاء والسلطة التنفيذية والمشرّع، بأن العدالة لا تسقط بالتقادم في الضمير الجماعي، وأن استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم تمرّ حكماً عبر إنصاف ضحايا هذه الجريمة الكبرى، مدنياً وجزائياً ودولياً في آنٍ معاً. وإننا، إذ نحيي ذكرى الشهداء ونتضامن مع عائلاتهم، ندعو إلى استكمال المسار القضائي بكل استقلالية وشفافية، احتراماً لدماء الأبرياء ولهيبة القانون.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME