لا عفو عن خيانة الودائع: دراسة قانونية في جرائم المصارف تجاه المودعين في لبنان بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف

لا عفو عن خيانة الودائع: دراسة قانونية في جرائم المصارف تجاه المودعين في لبنان
بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت، في ٨ أيلول ٢٠٢٦
منذ خريف عام ٢٠١٩ لم يعد الحديث عن “الأزمة المصرفية” في لبنان حديثاً اقتصادياً محضاً، بل بات وصفاً مخفَّفاً لواقعة قانونية أدق: حرمان جماعي من حق الملكية المصون بموجب المادة الخامسة عشرة من الدستور اللبناني، عبر قيود على السحب والتحويل (“كابيتال كونترول”) فرضتها المصارف فعلياً من دون سند تشريعي يجيزها طوال سنوات، بما يخالف مبدأ الشرعية القاضي بأن كل تقييد للملكية الخاصة لا يكون إلا بقانون صادر عن السلطة المختصة.
من الناحية المدنية، استقر الفقه والاجتهاد اللبنانيان على تكييف العلاقة بين المصرف والمودع بأنها قرض استهلاكي لا وديعة حراسة بالمعنى الدقيق، بحيث يصبح المصرف مالكاً للمبلغ فور قبضه وملزماً برد مثله عند الطلب أو عند حلول الأجل. وكل عجز عن الرد، متى اقترن بسوء نية أو مناورة، يخرج من دائرة الإخلال العقدي البسيط ليدخل في دائرة التجريم. فالمادة ٦٥٥ من قانون العقوبات تعاقب كل من حمل الغير، بواسطة مناورات احتيالية، على تسليمه مالاً أو التنازل عن حق، وينطبق هذا الوصف على كل ترويج أو حملة تسويقية لفوائد أو أدوات مالية جرى تقديمها للمودعين فيما كانت المؤشرات الداخلية للمصرف تكشف تآكل ملاءته. أما المادتان ٦٧١ و٦٧٢ عقوبات، المتعلقتان بإساءة الائتمان (خيانة الأمانة)، فتجدان ميدانهما الطبيعي في تصرف إدارات المصارف بأموال عهد بها الزبائن على سبيل الوديعة (المادة ٦٩٠ موجبات وعقود) أو الوكالة (المادة ٧٦٩ موجبات وعقود) حين تستخدم هذه الأموال خارج الغرض المتفق عليه.
أما قانون النقد والتسليف، الصادر بالمرسوم رقم ١٣٥١٣ تاريخ ١٩٦٣/٨/١، فهو الركيزة التشريعية الناظمة لعمل مصرف لبنان والمصارف على حد سواء، وقد حمَّل أعضاء مجالس الإدارة والمفوضين بالتوقيع في المصارف مسؤولية جزائية ومدنية شخصية عن مخالفة أحكامه. وتبرز في هذا الإطار مادتان محوريتان: المادة ١١٣ في فقرتها الرابعة، التي توجب على الدولة تغطية عجز مصرف لبنان من الخزينة العامة عند غياب أو عدم كفاية الاحتياط العام، على أن يكون ذلك عن سنة مالية محددة وبعد تدقيق الميزانية والمصادقة عليها وفق الأصول، لا بوصفها تحميلاً مطلقاً للدولة كامل مديونية المصرف المركزي تجاه المصارف كما يُروَّج له أحياناً؛ والمادة ١١٧ التي توجب على حاكم مصرف لبنان الإفصاح عن الخسائر عوض إخفائها، وهي المادة التي استند إليها من طالب بمساءلة الحاكم السابق رياض سلامة عن عدم الإفصاح عن تراكم الخسائر على مدى سنوات طويلة قبل انفجار الأزمة.
وقد أصدر صندوق النقد الدولي في تشرين الأول ٢٠٢٥ تقريراً تشخيصياً حول الحوكمة في لبنان تناول بالتحديد ضعف الحوكمة ومكامن الفساد داخل مصرف لبنان، في إطار المنهجية التي يعتمدها الصندوق دولياً لتشخيص الفساد المؤسسي، وهو ما يوفر سنداً فنياً دولياً يعزز أي مقاربة قضائية داخلية لملف المصارف. كما يبقى لبنان، بصفته دولة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ملزَماً بأحكامها المتعلقة بتجريم الاختلاس وإساءة استغلال الوظيفة وغسل عائدات الجريمة وبآليات استرداد الأموال المحوَّلة إلى الخارج.
وسعياً لمعالجة الأزمة تشريعياً، أقر مجلس النواب اللبناني القانون رقم ٢٣ في آب ٢٠٢٥ المتعلق بإصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، ثم أدخل عليه تعديلات في ١٢ آب ٢٠٢٦ بعد ملاحظات صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان وطعنٍ قُدِّم أمام المجلس الدستوري. كما أقر في ٢٧ كانون الأول ٢٠٢٥ “قانون الفجوة المالية” الذي يحدد آلية توزيع فجوة مالية تقدَّر بنحو ثمانين إلى ثلاثة وثمانين مليار دولار أميركي بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. ويبقى السؤال الجوهري الذي لم يُحسم بعد هو مدى توافق أي آلية لتوزيع الخسائر مع مبدأ حماية الملكية الخاصة، ذلك أن أي اقتطاع من الودائع خارج نطاق القانون ورضى المودع الصريح قد يشكل إثراءً بلا سبب مشروع يستوجب دعوى استرداد مستقلة سنداً لأحكام قانون الموجبات والعقود.
وفي ١٢ آب ٢٠٢٦ أقر مجلس النواب اللبناني، للمرة الأولى منذ خمسة وثلاثين عاماً، قانون العفو العام رقم ٧٠، الذي يشمل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ ١ آذار ٢٠٢٦. وهنا يكمن جوهر السؤال الذي تعالجه هذه الدراسة: هل تدخل الجرائم المصرفية موضوع البحث ضمن مظلة هذا العفو؟ الجواب، بحسب نص المادة الثانية من القانون ذاته، هو النفي القاطع. فالبند التاسع من استثناءات العفو يخرج صراحة جرائم الإثراء غير المشروع الواردة في القانون رقم ١٨٩ تاريخ ٢٠٢٠/١٠/١٦ المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها، أو المتعلقة بالأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، فضلاً عن جرائم التهرب الضريبي. أما البند العاشر فيخرج صراحة الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم ٤٤/٢٠١٥، وكذلك الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أياً كان مرتكبوها، لا سيما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين.
وبذلك يكون المشترع اللبناني قد ميَّز صراحة بين جرائم عادية شملها التسامح التشريعي بداعي تخفيف اكتظاظ السجون، وبين جرائم مصرفية ومالية تمس المصلحة العامة العليا وثقة المجتمع بنظامه المصرفي، فأبقاها خارج نطاق العفو وقابلة للملاحقة والمحاكمة والتنفيذ دونما سقوط للدعوى العامة أو محو للعقوبة. هذا الاستثناء التشريعي الصريح لا يعفي القضاء من واجب تفعيله عملياً، ويبقى الطريق مفتوحاً أمام جمعيات ونقابات المودعين لإقامة الدعاوى المدنية بالحق الشخصي أمام القضاء الجزائي المختص، تلازماً مع الملاحقات العامة التي يفترض أن تحركها النيابات العامة المالية دون إبطاء. فالقانون، حين يستثني جريمة من عفو عام أقره نواب الأمة أنفسهم، إنما يوجه رسالة لا لبس فيها بأن ملف المصارف ليس ملفاً مقفلاً، بل قضية عدالة معلقة ينتظر منها اللبنانيون أن تأخذ مجراها القانوني الطبيعي بعيداً عن كل مساومة سياسية.

