فن الاستثناء التشريعي: كيف يُقرأ قانون العفو العام رقم ٧٠ قراءة علمية دقيقة. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف تعتمد غالبية تشريعات العفو العام المقارنة، من فرنسا إلى إيطاليا مروراً بالنموذج اللبناني، تقنية تشريعية واحدة: العفو أصل عام، والاستثناء وارد على سبيل الحصر لا المثال

فن الاستثناء التشريعي: كيف يُقرأ قانون العفو العام رقم ٧٠ قراءة علمية دقيقة.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٦ أيلول ٢٠٢٦
تعتمد غالبية تشريعات العفو العام المقارنة، من فرنسا إلى إيطاليا مروراً بالنموذج اللبناني، تقنية تشريعية واحدة: العفو أصل عام، والاستثناء وارد على سبيل الحصر لا المثال. وهذا بالضبط ما رسمته المادة الأولى من القانون رقم ٧٠ حين قررت عفواً شاملاً عن كل جريمة ارتُكبت قبل ١ آذار ٢٠٢٦، لكل من ساهم فيها فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً أو محرضاً أو مخبئاً وفق تعريفات قانون العقوبات، مُسقطةً الدعوى العامة وماحيةً العقوبات المحكوم بها. ثم جاءت المادة الثانية لترسم، لا لائحة إضافة، بل حدوداً سلبية: أربع عشرة فئة بقيت خارج مظلة العفو، وما عداها يدخل فيه تلقائياً بحكم مفهوم المخالفة، وهي القاعدة التفسيرية الحاكمة لكل نص استثنائي.
أولاً – ما لا يشمله العفو (الاستثناءات الحصرية):
جرائم المجلس العدلي؛ القتل العمدي والقصدي وجرائم الإرهاب (قانون ١١/١/١٩٥٨) بحق المدنيين والعسكريين والقوى الأمنية؛ الجرائم العسكرية والشائنة (المادة ١٠٥ من قانون القضاء العسكري رقم ٢٤/١٩٦٨)؛ الخيانة والتجسس والتعامل مع العدو؛ عود جرائم المخدرات وجرائم مخدرات العسكريين؛ التعدي المستمر على أملاك الدولة والبلديات والمشاعات؛ جرائم المال العام؛ تزوير العملة وتقليدها وترويجها والإفلاس الاحتيالي وجرائم النقد والتسليف والمصارف؛ الإثراء غير المشروع (قانون ١٨٩/٢٠٢٠) والتهرب الضريبي؛ تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (قانون ٤٤/٢٠١٥) وجرائم أموال المودعين أياً كان مرتكبوها؛ جرائم الآثار؛ الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء على القُصّر والتعذيب (قانون ٦٥/٢٠١٧) والإخفاء القسري (قانون ١٠٥/٢٠١٨)؛ عود السرقة (جناية مرتين، جنحة ثلاث مرات)؛ الجرائم البيئية (قانون ٤٤٤/٢٠٠٢).
ثانياً – ما يشمله العفو (نتيجة القراءة العكسية):
كل جريمة لا تندرج في الفئات الأربع عشرة تدخل في العفو، وأبرزها: القتل والإيذاء غير العمدي، الشيك بدون رصيد وخيانة الأمانة والاحتيال بين الأفراد خارج المال العام والمصارف، حيازة المخدرات واستعمالها الشخصي وزراعتها السابقة لصدور القانون لغير العائدين والعسكريين، السرقة البسيطة غير المتكررة، جرائم الذم والقدح والتعبير، والمخالفات الجمركية والضريبية العادية خارج نطاق الإثراء غير المشروع.
خاتمة:
وعلمياً، لا أميل إلى تأييد صيغة قوانين العفو العام بوصفها أداة تشريعية، لِما تحمله من مخاطرة بنيوية على الردع العام ويقين المتضررين، انسجاماً مع ما استقر عليه الفقه الجزائي المقارن الذي يحصر العفو في حالات استثنائية ضيقة لا في أداة دورية لمعالجة أزمات إدارية. غير أن من يرى في هذا القانون استجابة إنسانية عاجلة يستند إلى مقتضى مشروع لا يقل احتراماً، فالخلاف بين الموقفين خلاف في الوسيلة لا في الغاية، وكلاهما ينشد دولة القانون.

