مرفأ بيروت أمام ميزان العدالة: لا إدانة بلا دليل! ولا مسؤولية بلا حساب. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

مرفأ بيروت أمام ميزان العدالة: لا إدانة بلا دليل! ولا مسؤولية بلا حساب.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
١٩ أيلول ٢٠٢٦
في ملفٍّ بحجم مأساة مرفأ بيروت، أخطر ما يمكن أن تفعله العدالة هو أن تبحث عن اسمٍ قبل أن تبحث عن الحقيقة.
فالعدالة لا تبدأ بسؤال: «من نُحمّل المسؤولية؟» بل بسؤال أكثر دقة: من كان يعلم؟ من كان مختصاً؟ من كان ملزماً بالتدخل؟ من كان قادراً عليه؟ ماذا فعل أو امتنع عن فعله؟ وهل ثبتت علاقة ذلك بما حدث؟
هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة قانونية؛ والقضاء وحده يملك حق الإجابة عنها بعد وزن الأدلة وفق الأصول.
والدستور اللبناني واضح في توزيع الصلاحيات: فالسلطة الإجرائية منوطة بمجلس الوزراء، الذي يتولى وضع السياسة العامة والسهر على تنفيذ القوانين والإشراف على أجهزة الدولة، فيما يمارس رئيس الجمهورية الصلاحيات التي أناطها به الدستور، ويتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ضمن اختصاصاتهم ويتحملون تبعة أفعالهم الشخصية. لذلك لا يجوز اختزال المسؤولية في موقع سياسي واحد، كما لا يجوز منح أي موقع سياسي حصانة من المسؤولية التي قد تثبت قانوناً.
ومن هنا، فإنّ اختزال قضية المرفأ في شخص الرئيس السابق العماد ميشال عون، أو في أي شخصية أخرى، لا يكون مقبولاً قانوناً إلا بقدر ما تثبته الأدلة في إطار الصلاحيات والواجبات والوقائع. وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول الموقع السياسي إلى مظلة تحجب المسؤولية إذا أثبت القضاء توافر عناصرها.
فالملف لا يبدأ في ٤ آب ٢٠٢٠. يجب أن يُقرأ من جذوره: من كيفية وصول المواد الخطرة، إلى إدخالها وتخزينها، إلى الجهات التي علمت بوجودها، والتحذيرات والمراسلات التي وصلت إليها، والقرارات التي اتُّخذت أو لم تُتخذ، ومن كانت له في كل مرحلة سلطة قانونية وفعلية للتدخل.
لكن تعدد الجهات لا يعني تلقائياً مسؤولية الجميع، كما أن مرور السنوات لا يمحو مسؤولية أحد. المسؤولية الجزائية شخصية؛ ولا تقوم لمجرد العلم أو المنصب، بل حيث يثبت الواجب القانوني، والقدرة على التدخل، والفعل أو الامتناع، والعلاقة السببية، وسائر العناصر التي يتطلبها القانون.
وهنا تكمن قيمة التحقيق القضائي الحقيقي: أن يفكك هذه السلسلة حلقةً حلقة، بعيداً عن الانتماءات والاصطفافات، فلا يحوّل مأساة اللبنانيين إلى معركة سياسية، ولا يحوّل القضاء إلى منصة للرأي العام.
والتجارب الدولية في الكوارث الكبرى، ومنها التحقيق في حريق برج غرينفل في بريطانيا، أظهرت أهمية البحث في الإخفاقات التنظيمية والرقابية والمؤسساتية المتراكمة، مع إبقاء المسؤولية الفردية رهناً بما يثبت من أفعال وواجبات وأدلة. والمقارنة هنا ليست لمساواة الوقائع، بل للتذكير بأن الحقيقة قد تكون أعقد من اسم واحد.
أما المعايير الدولية، فتفرض احترام استقلال القضاء، وحق كل إنسان في محاكمة عادلة وافتراض البراءة، كما تحفظ للضحايا وعائلاتهم حقهم في معرفة الحقيقة والمساءلة. وقد أكدت الأمم المتحدة في ٤ آب ٢٠٢٦ أن كارثة المرفأ لا يجوز أن تصبح صفحة منسية، ودعت إلى دفع المسار القضائي نحو نتيجة حاسمة ضمن عملية قضائية مستقلة وشفافة ونزيهة.
لذلك، فإنّ احترام الضحايا لا يكون بإدانة مسبقة، كما أن احترام حقوق المدعى عليهم لا يعني تعطيل العدالة.
لا حماية لمسؤول لأنه مسؤول، ولا إدانة له لأنه مسؤول.
لا حصانة سياسية أمام دليل ثابت، ولا إدانة سياسية من دون دليل.
هذه هي العدالة التي يحتاجها لبنان: عدالة لا تبحث عن كبش فداء، ولا تمنح أحداً حصانة؛ عدالة تضع الجميع، مهما علت مواقعهم، أمام معيار واحد هو القانون.
فالحقيقة لا تحتاج إلى خصم سياسي، والقضاء لا يحتاج إلى جمهور، والعدالة لا تحتاج إلى ضجيج.
تحتاج فقط إلى قاضٍ مستقل!وملفٍّ كامل! ودليل.

