أموال المودعين وأمانة نقابة المحامين: قضية وطنية تتطلّب حلولاً جدية لا شعارات انتخابية.

أموال المودعين وأمانة نقابة المحامين: قضية وطنية تتطلّب حلولاً جدية لا شعارات انتخابية.
إنّ أزمة المصارف اللبنانية لم تعد شأناً مالياً داخلياً فحسب، بل تحوّلت إلى قضية وطنية تمسّ كرامة الناس وحقوقهم ومستقبلهم. ملايين اللبنانيين وجدوا أنفسهم أسرى لدى المصارف، محرومين من أبسط حقوقهم في التصرف بمدخراتهم، فيما الثقة بالنظام المالي تتآكل يوماً بعد يوم. وفي قلب هذه المأساة، تقف نقابة المحامين في بيروت بما تمثّله من رمزٍ للعدالة وحصنٍ للحقوق، وهي اليوم تواجه مع محاميها وأعضائها سؤالاً وجودياً: كيف تُسترد الأموال المودعة في المصارف، وهي أمانة جماعية وليست ملكاً فردياً؟
إنّ أموال النقابة ليست مجرد حساب مصرفي، بل هي أمانة مهنية تمثل استقلالية المحامي وكرامة المهنة، وهي جزء من حقوق المودعين جميعاً الذين فقدوا الثقة في النظام المالي. لذلك، يصبح من غير المقبول أن تمرّ البرامج الانتخابية للمرشحين مرور الكرام على هذه القضية، أو أن تُختزل بوعود عامة لا تحمل أي خطة عملية أو رؤية واضحة. فالمودعون، أفراداً كانوا أم مؤسسات، لم يعودوا بحاجة إلى شعارات، بل إلى خطط قابلة للتنفيذ، تستند إلى القانون والعدالة، وتعيد الثقة إلى المجتمع.
غياب الحلول الجدية في البرامج الانتخابية يثير قلقاً مشروعاً، إذ يكتفي البعض بالشعارات الفضفاضة عن “حماية المودعين” دون تقديم آليات تنفيذية واضحة، فيما تتطلب مواجهة المصارف والسلطة المالية جرأة قانونية وسياسية لا يملكها كثيرون. كما أنّ غياب التنسيق بين النقابات والهيئات المهنية يضعف الضغط المطلوب على الدولة والمصارف.
لكن الحلول ليست مستحيلة، بل تحتاج إلى وضوح وإرادة. أولاً، يجب توحيد الموقف النقابي والمهني عبر تشكيل جبهة مهنية واسعة بقيادة نقابة المحامين، لتكون صوتاً موحداً يفرض نفسه على الدولة والمصارف. ثانياً، لا بد من اللجوء إلى القضاء المحلي والدولي، محلياً عبر دعاوى ضد المصارف التي تحتجز الأموال خلافاً لأبسط قواعد العقد والائتمان، ودولياً عبر تحريك ملفات أمام المحاكم الأجنبية حيث للمصارف أصول أو تعاملات، ما يفتح باب الضغط الخارجي. ثالثاً، لا يمكن استرداد الأموال من دون إقرار قانون عادل لإعادة هيكلة المصارف، يضمن توزيع الخسائر بشكل منصف بين الدولة والمصارف والمودعين، بعيداً عن تحميل المودع وحده وزر الانهيار. رابعاً، على النقابة أن تعتمد إدارة شفافة لأموالها، فتعلن بوضوح حجم الأموال المودعة وخطة استردادها، لتكون نموذجاً يُحتذى به أمام المودعين الآخرين. وأخيراً، يجب أن تُدرج قضية المودعين في صلب البرامج الانتخابية، فأي مرشح لا يضع خطة واضحة ومكتوبة لاسترداد الأموال لا يمكن أن يُقنع المودعين بجدية برنامجه.
إنّ أموال المودعين هي عرق الناس وحقوقهم ومستقبلهم، وأموال النقابة هي أمانة المهنة وكرامتها. لذلك، فإنّنا نطالب جميع المرشحين بأن يضعوا هذه القضية في مقدمة برامجهم، وأن يقدّموا حلولاً عملية قابلة للتنفيذ، بعيداً عن الشعارات الانتخابية العابرة. نحن لا نطلب المستحيل، بل نطالب بالحد الأدنى من العدالة: أن تُعاد الحقوق إلى أصحابها، وأن يُصار إلى مواجهة الأزمة بعقل قانوني مسؤول، يحفظ كرامة المهنة ويعيد الثقة إلى المجتمع.
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في : ٢٠٢٥/١١/١

