بنان الرقمي: قراءة قانونية في مسار التحوّل الرقمي بين النص التشريعي والواقع التنفيذي. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

لبنان الرقمي: قراءة قانونية في مسار التحوّل الرقمي بين النص التشريعي والواقع التنفيذي.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف بيروت في ٣١ تموز ٢٠٢٦
بات التحوّل الرقمي اليوم في صلب مشروع الدولة اللبنانية، لا بوصفه ترفاً إدارياً بل رافعة إصلاحية تتقاطع فيها الإرادة السياسية مع الضرورة الاقتصادية. وقد اختصر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هذه الفلسفة في مؤتمر “الحكومة الذكية” في حزيران من العام الماضي، حين أعلن نيّة لبنان الانضمام إلى منظمة التعاون الرقمي واعتبر أنّ التحوّل الرقمي مشروع وطني لا خيار تقني. غير أنّ أي قراءة قانونية جادة تقتضي التمييز بين التسميات الإعلامية المتداولة وبين الأطر التشريعية والمشاريع الرسمية القائمة فعلياً.
فالركيزة التشريعية الأولى تبقى القانون رقم ٨١ الصادر في ١٠ تشرين الأول ٢٠١٨، المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، والذي دخل حيّز التنفيذ في ١٨ كانون الثاني ٢٠١٩ بعد ثلاثة أشهر على نشره. أرسى هذا القانون مبدأي التكافؤ الوظيفي والحياد التقني، مؤمّناً مساواة قانونية بين السند التقليدي والإلكتروني، وعرّفت مادته الأولى الكتابة والتوقيع الإلكترونيين تعريفاً يحفظ للعمل القانوني حجيته أياً كانت دعامته. بيد أنّ هيئات حقوقية اعتبرت أنّه، رغم أهميته التأسيسية، لا يرقى إلى مستوى قانون خاص بحماية البيانات الشخصية على غرار النظام الأوروبي، وأنّ الالتزام به لا يزال محدوداً حتى من الجهات الرسمية.
أما تنفيذياً، فأبرز المشاريع هو مشروع تسريع التحوّل الرقمي، الذي وافق مجلس الوزراء على تمويله بمئة وخمسين مليون دولار من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، تنفّذه وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، على أن يبقى إقرار مجلس النواب لاتفاقية القرض خطوته الأخيرة. يقوم المشروع على خمسة محاور: استضافة البيانات والبنية السحابية، الأمن السيبراني، الأطر القانونية والتنظيمية، المنصات الحكومية الموحّدة، وبناء القدرات البشرية. وقد شهد العام الماضي تقدّماً في مكننة المحاكم والسجل التجاري، والإعلان عن مشروع الخدمات القضائية الإلكترونية، ورقمنة حقوق الملكية الفكرية لدى وزارة الاقتصاد والتجارة، وتوقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي الشؤون الاجتماعية والتكنولوجيا لاستراتيجية رقمية للفترة ٢٠٢٥-٢٠٢٧. وفي سياق منفصل، أقرّ مجلس الوزراء في إحدى جلساته الأخيرة مشروع حزمة الإنترنت، مكلّفاً وزارة الاتصالات توقيع عقده مع “أوجيرو”، وطالباً من وزارة المالية تأمين اعتماداته.
ومع ذلك، تبقى تحديات قانونية جوهرية قائمة: فلبنان لم يُقرّ حتى الساعة تشريعاً نافذاً للذكاء الاصطناعي ولا قانوناً شاملاً للأمن السيبراني، وإن كان مشروعا القانونين المتعلقان بإنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وبتنظيم الأمن السيبراني لا يزالان أمام المجلس النيابي منذ أواخر ٢٠٢٥ من دون إقرار. كما تحتاج نصوص في قانون العقوبات وقانون التجارة إلى مواءمة مع البيئة الرقمية، خصوصاً في الجرائم الإلكترونية والعقود الذكية، فيما يبقى ضعف البنية التحتية للكهرباء والاتصالات عائقاً عملياً أمام تطبيق هذه النصوص مهما بلغت دقتها.
فنجاح التحوّل الرقمي لا يُقاس بعدد المشاريع أو حجم التمويل، بل بترجمة هذا الزخم إلى منظومة تشريعية متكاملة: تحديث قانون حماية البيانات وفق المعايير الدولية، إقرار تشريعي الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، تكييف قانوني العقوبات والتجارة، وضمان استقلالية الرقابة القضائية بمعزل عن أي اعتبار سياسي أو طائفي. فالتحوّل الرقمي، في نهاية المطاف، اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ترسيخ دولة القانون والمساواة، بما يحفظ الثقة بين المواطن والإدارة، ويؤسس لبيئة استثمارية تحترمها المؤسسات الدولية قبل المحلية.

