قبل سنوات قليلة، كان مجرد الحديث عن تقارب لبناني – سوري يثير مخاوف اللبنانيين من عودة زمن الوصاية. فالتجربة التي عاشها لبنان منذ دخول الجيش السوري عام 1976، ثم تكريس النفوذ السوري بعد اتفاق الطائف وإنشاء المجلس الأعلى اللبناني – السوري، جعلت أي إطار جديد للتعاون بين البلدين يُقرأ من زاوية الماضي قبل الحاضر

قبل سنوات قليلة، كان مجرد الحديث عن تقارب لبناني – سوري يثير مخاوف اللبنانيين من عودة زمن الوصاية. فالتجربة التي عاشها لبنان منذ دخول الجيش السوري عام 1976، ثم تكريس النفوذ السوري بعد اتفاق الطائف وإنشاء المجلس الأعلى اللبناني – السوري، جعلت أي إطار جديد للتعاون بين البلدين يُقرأ من زاوية الماضي قبل الحاضر.
لكن التطورات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة تستحق قراءة مختلفة، لأنها تعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين بيروت ودمشق على أسس جديدة، بعيداً عن منطق القوة الذي حكمها لعقود.
تزامنت هذه التطورات مع تقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط أميركية على الرئيس السوري أحمد الشرع لدفعه إلى لعب دور مباشر في مواجهة حزب الله داخل لبنان. ولكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن دمشق اختارت مساراً آخر، يقوم على تعزيز العلاقات الرسمية مع الدولة اللبنانية، لا الانخراط في الصراعات الداخلية اللبنانية.
ففي الجانب السياسي، برز خطاب سوري يؤكد احترام سيادة لبنان وحصر العلاقات بالمؤسسات الدستورية، وهي لغة تختلف عن تلك التي طبعت العقود الماضية عندما كانت دمشق تتعامل مع الأحزاب والزعامات اللبنانية باعتبارها أدوات نفوذ داخل الساحة اللبنانية.
وفي الجانب الأمني، ظهر شكل جديد من التعاون يتمثل في مواجهة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، بعدما نفذت كل من الأجهزة السورية واللبنانية عمليات متزامنة ضد خلايا تنظيم داعش. هذا النوع من التنسيق لا يستهدف التأثير في التوازنات السياسية اللبنانية، بل يندرج ضمن مسؤولية الدول في حماية أمنها المشترك.
أما اقتصادياً، فقد حملت الزيارات الرسمية الأخيرة رسائل لا تقل أهمية. فالدعوة إلى تشجيع الاستثمارات اللبنانية في سوريا، والإعلان عن إنشاء مجلس أعمال مشترك، يعكسان توجهاً نحو بناء مصالح اقتصادية متبادلة، بحيث تصبح العلاقات قائمة على التجارة والاستثمار بدلاً من النفوذ الأمني والسياسي.
ومع ذلك، فإن الحذر يبقى واجباً. فالتاريخ لا يُمحى ببيانات سياسية ولا بتوقيع اتفاقيات جديدة. الثقة بين البلدين تحتاج إلى وقت طويل وإلى ممارسات عملية تثبت أن مرحلة الوصاية انتهت فعلاً، وأن سوريا الجديدة لا تسعى إلى استعادة أدوات الماضي، كما أن الدولة اللبنانية مطالبة بدورها بحماية سيادتها ومنع أي عودة إلى العلاقات غير المتكافئة.
إن الفرق بين الأمس واليوم قد يكون في طبيعة أدوات النفوذ. ففي عام 1976 دخلت سوريا إلى لبنان بقوة السلاح، وبعد عام 1991 ثبّتت حضورها عبر مؤسسات فرضتها موازين القوى آنذاك. أما اليوم، فإذا كانت دمشق تسعى إلى استعادة حضورها، فإن الطريق الذي يبدو أنها اختارته يمر عبر الدبلوماسية والتعاون الأمني الرسمي والمصالح الاقتصادية.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام ولادة علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين، أم أن ما نشهده ليس سوى مرحلة انتقالية ستكشف الأيام حدودها؟ الإجابة لن تقدمها التصريحات الرسمية، بل ستصنعها الوقائع، ومدى التزام الطرفين باحترام السيادة وعدم العودة إلى سياسات التدخل التي دفعت شعبي البلدين أثماناً باهظة على مدى عقود.

