كتب المحامي كميل حبيب رمضان وعيد الفطر بين صفاء العبادة وقسوة المدافع. — قراءة فكرية وقانونية في توقيت إسرائيل لحروبها على لبنان. في لحظةٍ يُفترض أن تكون للصفاء الروحي والاجتماعي، اختارت إسرائيل أكثر الأوقات حساسية لتصعيدها العسكري ضد لبنان، مستهدفةً شهر رمضان وأيام عيد الفطر. هذا التوقيت ليس عابرًا، بل هو جزء من استراتيجية مركّبة تجمع بين البعد النفسي والسياسي والعسكري.

رمضان وعيد الفطر بين صفاء العبادة وقسوة المدافع.
— قراءة فكرية وقانونية في توقيت إسرائيل لحروبها على لبنان.
في لحظةٍ يُفترض أن تكون للصفاء الروحي والاجتماعي، اختارت إسرائيل أكثر الأوقات حساسية لتصعيدها العسكري ضد لبنان، مستهدفةً شهر رمضان وأيام عيد الفطر. هذا التوقيت ليس عابرًا، بل هو جزء من استراتيجية مركّبة تجمع بين البعد النفسي والسياسي والعسكري.
١- الاستراجيات
أ- من الناحية النفسية، يشكّل ضرب المجتمع المسلم في شهر الصيام أو في يوم العيد رسالة ردع قاسية، إذ يُحرم الناس من أجواء العبادة والفرح الجماعي.
ب- من الناحية السياسية، تستغل إسرائيل هذه المناسبات لتفرض شروطها في لحظة يطالب فيها العالم بهدنة إنسانية، فتقلب ميزان التفاوض لصالحها.
ج- أما عسكريًا، فإن عنصر المفاجأة يتضاعف، حيث ينشغل الناس بالعبادة أو الاحتفال، ما يجعل الضربة أكثر إرباكًا للخصم.
لقد تكررت هذه الأنماط في أكثر من محطة: ففي نيسان ٢٠٢٤، قصفت إسرائيل بلدات حدودية في جنوب لبنان في أول أيام عيد الفطر، معلنةً أن الهدف مواقع لحزب الله. وفي رمضان ٢٠٢٦، تزايد الحديث عن هدنة إنسانية، لكن إسرائيل واصلت الضغط العسكري، لتثبت أن التوقيت بحد ذاته أداة حرب. الإعلام اللبناني وصف هذه الضربات بأنها “تصعيد أخطر”، لأنها تضرب في لحظة يفترض أن تكون للسلام والطمأنينة.
إن اختيار رمضان وعيد الفطر ليس مجرد قرار عسكري، بل هو فعل رمزي يهدف إلى كسر المعنويات وإظهار الهيمنة، في وقتٍ يُفترض أن يكون للرحمة والتضامن. وهنا تتجلى المفارقة: بينما يرفع المسلمون تكبيرات العيد، تُسمع أصوات المدافع، في مشهدٍ يختزل الصراع بين صفاء العبادة وقسوة السياسة.
٢- البعد الفكري والديني في التوقيت.
أ- في الفكر اليهودي، تُعتبر الحرب فعلًا وجوديًا؛ ففي سفر الجامعة (الإصحاح ٣: “لكل شيء زمان… وقت للحرب ووقت للسلام”)، يظهر أن الحرب جزء من دورة الحياة، وهو ما تستحضره إسرائيل في توقيتاتها.
ب- في التلمود، هناك إشارات إلى أن الحفاظ على النفس يبرر تجاوز المحظورات، وهو ما يُستعمل في الفقه الإسرائيلي لتبرير العمليات العسكرية حتى في مواسم مقدسة عند الآخرين.
ج- الفيلسوف الإسرائيلي ييشعياهو ليبوفيتش فقد كتب أن “الدولة لا تعرف قدسية إلا بقدر ما يخدم بقاءها”، وهو ما يفسر أن إسرائيل لا تراعي قدسية رمضان أو العيد، بل ترى في التوقيت فرصة لإظهار القوة. وفي الفكر السياسي الإسرائيلي الحديث، يُستعمل مفهوم “الردع عبر الرمزية”، أي أن الضربة في وقت مقدس للخصم تحمل أثرًا مضاعفًا، وهو ما يفسر اختيار رمضان والعيد.
٣- الخاتمة القانونية.
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن استهداف المدنيين أو تعطيل مناسبات دينية واجتماعية يُعدّ انتهاكًا لمبدأ التمييز ومبدأ التناسب المنصوص عليهما في اتفاقيات جنيف. توقيت الحرب في رمضان وعيد الفطر يضاعف الأثر النفسي والاجتماعي على المدنيين، ما يجعل هذه الممارسات قابلة للتوصيف كأعمال عدائية غير مشروعة. إن هذا التوقيت ليس مجرد صدفة عسكرية، بل هو جزء من سياسة ممنهجة تستحق المساءلة أمام المحاكم الدولية، ويضع إسرائيل أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية مضاعفة.
المحامي كميل حبيب معلوف
في ١٨ آذار ٢٠٢٦

