لبنان في مرمى حرب لم يخترها: قراءة قانونية ودستورية. بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف ١٤ تموز ٢٠٢٦ منذ استئناف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران في السابع من تموز الجاري، بعد سقوط وقف إطلاق النار الذي دام أسابيع، عادت المنطقة برمّتها إلى دائرة القلق، ومعها لبنان، الذي وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في هذا النزاع، إلا أن موقعه الجغرافي وبنيته الدستورية الداخلية يفرضان عليه، بحكم القانون قبل السياسة، مقاربة دقيقة لا تحتمل الارتجال

15/07/2026
IMG-20260428-WA0087

لبنان في مرمى حرب لم يخترها: قراءة قانونية ودستورية.

بقلم: المحامي كميل حبيب معلوف
١٤ تموز ٢٠٢٦

منذ استئناف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران في السابع من تموز الجاري، بعد سقوط وقف إطلاق النار الذي دام أسابيع، عادت المنطقة برمّتها إلى دائرة القلق، ومعها لبنان، الذي وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في هذا النزاع، إلا أن موقعه الجغرافي وبنيته الدستورية الداخلية يفرضان عليه، بحكم القانون قبل السياسة، مقاربة دقيقة لا تحتمل الارتجال.

فمن الناحية الدستورية، يستند لبنان منذ عقود إلى ما اصطُلح على تسميته “سياسة النأي بالنفس”، وهي وإن لم تكن نصًا دستوريًا حرفيًا، فإنها تستمد شرعيتها من روح مقدمة الدستور اللبناني التي تؤكد أن لبنان “عربي الهوية والانتماء” وفي الوقت ذاته “نهائي لجميع أبنائه”، وهو ما يستوجب توازنًا دائمًا بين الانتماء والانفتاح من جهة، والحفاظ على السيادة والاستقلالية في القرار من جهة أخرى. وهذه السياسة، التي أقرّتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة كخيار استراتيجي لا كموقف ظرفي، تجد اليوم اختبارها الحقيقي أمام حرب لا تدور على أرضنا لكنها تتقاطع مع ملفات نحن طرف فيها بشكل أو بآخر، وفي مقدمتها المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل حول ترسيم الحدود، والتي يفرض الترابط الإقليمي حذرًا مضاعفًا في التعاطي معها.

ومن زاوية القانون الدولي، فإن مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول وحق كل دولة في صون سيادتها وأمنها، المكرّس في ميثاق الأمم المتحدة، يمنح لبنان سندًا يعتد به في مطالبته الدائمة بألا يكون ساحة لتصفية حسابات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، تمامًا كما يمنحه هذا المبدأ ذاته حق حماية مجاله الجوي والبحري من أي استخدام أو تجاوز من أي طرف كان، بصرف النظر عن مشروعية موقفه في النزاع الأصلي.

أما اقتصاديًا، فإن التصعيد في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء أساسي من إمدادات النفط العالمية، لا بد أن ينعكس مباشرة على بلد يستورد كامل حاجته من المحروقات، ويعاني أصلًا من هشاشة القطاع المصرفي وتراجع القدرة الشرائية لمواطنيه منذ سنوات الأزمة. فارتفاع أسعار النفط عالميًا يعني كلفة أعلى للكهرباء والنقل والسلع الأساسية، في وقت لا يزال في الاقتصاد اللبناني هامش ضئيل جدًا لاستيعاب أي صدمة خارجية جديدة. كذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة أو التجارة الإقليمية ينعكس على تحويلات المغتربين اللبنانيين العاملين في دول الخليج، التي تشكل رافدًا أساسيًا لصمود الاقتصاد المنزلي اللبناني، كما ينعكس على قطاع السياحة الذي بدأ لتوّه يستعيد بعض عافيته.

وإذا كان لكل طرف من طرفي هذا الصراع حججه ومبرراته، بين من يرى في الضربات الأمريكية ردًا مشروعًا على استهداف حرية الملاحة الدولية، ومن يعتبرها تصعيدًا يفتقر إلى الغطاء الدستوري الكافي في الداخل الأمريكي نفسه، وبين من يرى في الموقف الإيراني دفاعًا عن السيادة، ومن يحذّر من مغامرة تهدد استقرار المنطقة بأسرها، فإن الموقف اللبناني الرصين لا يقتضي الانحياز إلى طرف، بل يقتضي التمسك بثوابت القانون الدولي والدستور الداخلي معًا: حماية السيادة، وصون الحياد، وتحصين الاقتصاد الوطني، والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مع الجميع دون استثناء.

إن الدولة التي تحسن قراءة هذه المعادلة، وتبني موقفها على أساس قانوني ودستوري متين لا على ردود فعل آنية، هي وحدها القادرة على حماية مواطنيها من تبعات حرب لم يخترها أحد منهم، وعلى صون موقع لبنان كبلد يحترم القانون الدولي ويحتكم إليه، بعيدًا عن منطق المحاور والاصطفافات التي أنهكت المنطقة طويلًا.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME