ليس الحويّك من أخطأ… بل من يقرأ التاريخ بالمقلوب يستطيع خصوم البطريرك الياس الحويّك أن يعيدوا تأويل التاريخ بما يخدم روايتهم، لكنهم لا يستطيعون تغيير الوقائع

31/07/2026
IMG-20260608-WA0184

ليس الحويّك من أخطأ… بل من يقرأ التاريخ بالمقلوب
يستطيع خصوم البطريرك الياس الحويّك أن يعيدوا تأويل التاريخ بما يخدم روايتهم، لكنهم لا يستطيعون تغيير الوقائع.
أولى هذه الوقائع أن إعلان لبنان الكبير لم يكن حدثاً شاذاً اقتطعته فرنسا من سياقه، بل جاء ضمن التحول الأكبر الذي شهدته المنطقة بعد هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ففي تلك اللحظة التاريخية وُلدت الدول الوطنية الحديثة: العراق، وسوريا، والأردن، ولبنان الكبير، وفلسطين. فهل كان إنشاء العراق أو الأردن أو سوريا مؤامرة أيضاً؟ أم أن لبنان وحده يُحاكم لأنه اختار أن يكون وطناً مستقلاً؟
نعم، فضّل قسم كبير من المسلمين الانضمام إلى سوريا، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار. لكن الحقيقة الأخرى التي يتجاهلها أصحاب هذه الرواية أن الموقف الإسلامي لم يكن واحداً. فالنخب الاقتصادية والثقافية لم تعارض المشروع اللبناني بالكامل، بل اختارت التعامل معه، ودفعها ذلك إلى المشاركة في إعلان لبنان الكبير في قصر الصنوبر، حيث حضر مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا. لذلك فإن تصوير المسلمين وكأنهم كانوا جبهة واحدة في مواجهة لبنان الكبير، ليس تاريخاً، بل تبسيط يخدم خطاباً سياسياً معاصراً.
ثم يأتي الربط العجيب بين قيام لبنان الكبير وبين الناصرية والعرفاتية وإيران الملالي. أي منطق تاريخي هذا؟ هذه المشاريع ظهرت بعد إنشاء لبنان بعشرات السنين. فهل كان البطريرك الحويك مسؤولاً عن جمال عبد الناصر؟ وهل كان يتنبأ بمنظمة التحرير الفلسطينية أو بالثورة الإيرانية؟
الحقيقة أن تماهي قسم من المسلمين مع هذه المشاريع لم يكن نتيجة قيام لبنان الكبير، بل نتيجة شعور قسم منهم بالإجحاف، وبالتعاطي السلبي والفوقي الذي مارسته قوى سياسية مسيحية في مراحل معينة من تاريخ الدولة. هذه مسؤولية طبقة سياسية، لا مسؤولية الكيان ولا مسؤولية مؤسسه.
أما الحديث عن أن توسيع حدود لبنان كان خطأ، فيتجاهل أبسط قواعد قيام الدول. فالدولة لا تعيش بالشعارات، بل بالاقتصاد. كان لا بد من مرفأ بيروت، وكان لا بد من سهل البقاع، ومن عكار، ومن الأراضي الزراعية والموارد التي تجعل الدولة قابلة للحياة. لذلك لم يكن توسيع الحدود نزوة سياسية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
ويحاول البعض الإيحاء بأن الموارنة خافوا من محيطهم فاختبأوا خلف حدود جديدة. وهذا يناقض تاريخهم كله. فالذين واجهوا المماليك، ثم السلطنة العثمانية، وصمدوا في وجه كل الاحتلالات، لم تكن لديهم عقدة العدد ولا عقدة الخوف. كانت لديهم ثقة بأنفسهم، وبالدور الذي يحملونه في المشرق العربي، وبرسالتهم في الدفاع عن الحرية والكرامة. من لا يخشَ إمبراطورية عمرها قرون، لا يبني وطناً بدافع الخوف.
أما متصرفية جبل لبنان التي يصورها البعض وكأنها جنة الله على الأرض، فالحقيقة مختلفة تماماً. لقد عرفت ثورات 1840، وحرب 1860، والانقسامات الداخلية، ثم جاءت المجاعة الكبرى لتحصد عشرات آلاف الضحايا. لذلك لم يكن التشبث بلبنان الصغير مغرياً أبداً، لأن هذا الكيان كان يفتقد إلى المقومات الاقتصادية والجغرافية التي تؤمن استمراره.
ويستكثر البعض على الموارنة احتفاءهم بالبطريرك الحويك وبكنيستهم. لكن لماذا؟ أليست الأمم تفتخر بمؤسسيها؟ أليست الشعوب تحفظ ذاكرة رجالها الكبار؟
إن الكنيسة المارونية، هذه الكنيسة الشرقية التي نشأت في هذا المشرق، وكبرت فيه، ثم انتشرت إلى أصقاع الأرض، لها الفضل الأول والأخير في وجودنا اليوم هنا، أحراراً، أصحاب أرض وإرث ودولة، حتى ولو كانت دولة ضعيفة. ولها الفضل أيضاً في أننا نستطيع أن نكتب وننتقد ونعارض ونعبّر عن آرائنا، حتى عندما تكون هذه الآراء نفسها مثار جدل. أما من يضيق بهذا الاحتفاء، فربما تكشف كتاباته، من حيث لا يدري، شيئاً من عقدة الخوف أو الدونية أمام تاريخ لم يستطع تجاوزه.
وأخيراً، أما التطويبات والطوباويون، فلا يحتاجون إلى شهادة أو رأي أو مبالاة أحد. فالتطويب ليس استفتاءً سياسياً، بل قرار كنسي وروحي. والجموع التي ملأت الصرح البطريركي في الديمان، واحتفت بالبطريرك الياس الحويك، أبلغ شهادة من كل المقالات، وأصدق من كل محاولات إعادة كتابة التاريخ.
يمكن مناقشة خيارات الحويك، ويمكن الاختلاف حول تجربته، لكن لا يجوز تحميله مسؤولية قرن كامل من الأخطاء التي ارتكبها اللبنانيون جميعاً. فالحويك لم يبنِ دولة كاملة، بل أسس كياناً أعطى اللبنانيين فرصة بناء دولة. وإذا كانت الدولة قد ضعفت لاحقاً، فليس لأن مؤسسها أخطأ، بل لأن أبناءها عجزوا عن الارتقاء إلى مستوى الفكرة التي قامت عليها.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME