نزاهة المحاماة ضمانة العدالة في ضوء التشريع اللبناني والقانون المقارن بقلم المحامي كميل حبيب معلوف ، بتاريخ 21 نيسان 2026

نزاهة المحاماة ضمانة العدالة في ضوء التشريع اللبناني والقانون المقارن
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف ، بتاريخ 21 نيسان 2026
في ظلّ ما يواجهه مرفق العدالة من تحديات متزايدة، تبرز نزاهة المحامي كحجر الزاوية في حماية الثقة العامة، إذ إن المحاماة، بوصفها رسالة قبل أن تكون مهنة، تقوم على مبادئ الشرف والاستقلالية والتجرّد، ما يفرض مواجهة حازمة لكل ما من شأنه التأثير على هذه القيم، ولا سيما مسألة الرشوة بمختلف صورها.
وقد نصّ قانون العقوبات اللبناني في المواد ٣٥١ و٣٥٢ و٣٥٣ على تجريم كل عرض أو قبول أو وساطة لمنفعة بقصد التأثير على عمل قضائي أو شبه قضائي، معتبراً أنّ الجرم يتحقق بمجرد العرض أو القبول ولو لم تتحقق النتيجة، بما يكرّس مقاربة وقائية تحمي نزاهة العدالة في جوهرها.
ويتكامل ذلك مع أحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة (المرسوم الاشتراعي رقم ٨/٧٠)، ولا سيما المادتين ٧٣ و٨٠، حيث يُلزم المحامي بالتقيّد بأصول الشرف والاستقامة والاستقلال، ويُخضع أي إخلال بهذه الواجبات للمساءلة التأديبية أمام مجالس التأديب في نقابة المحامين في بيروت ونقابة المحامين في طرابلس، مع ما قد يترتب على ذلك من عقوبات تصل إلى الشطب النهائي من الجدول.
وقد كرّست محكمة التمييز اللبنانية هذا التوجه في اجتهاداتها، معتبرةً أنّ محاولة التأثير بوسائل غير مشروعة تُشكّل بحد ذاتها فعلاً جرمياً قائماً، وأن العلاقة بين المحامي وموكّله تقوم على مبدأ bona fides (حسن النية) الذي يفرض أعلى درجات الأمانة المهنية، بحيث إن أي خروج عنه يرتّب مسؤولية جزائية وتأديبية متلازمة، في حين أن الامتناع عن قبول أي منفعة غير مشروعة والإبلاغ عنها يُعدّ تطبيقاً سليماً للواجب المهني.
ولا يختلف القانون المقارن عن هذا النهج، إذ نصّ القانون الفرنسي في Code pénal (Article 432-11) على تجريم أفعال corruption active et passive وtrafic d’influence لكل من له صلة بمرفق العدالة، وقد عبّرت محكمة النقض الفرنسية عن هذا التوجه بقولها: «La corruption porte atteinte à la confiance dans l’institution judiciaire».
كما ساوى قانون العقوبات المصري (المواد ١٠٣ إلى ١٠٦) بين الراشي والمرتشي وجرّم مجرد العرض أو الوعد ولو لم يُقبل، في حين اعتمد المشرّع البريطاني مقاربة شاملة في Bribery Act 2010 عبر تجريم أفعال active bribery وpassive bribery بصورة مطلقة، الأمر الذي يعكس تقارباً دولياً في حماية نزاهة العدالة.
وعليه، يتبيّن أن التشريع اللبناني ينسجم مع هذه المعايير الحديثة، بما يكرّس مبدأ أن شرف المهنة ليس مجرد قيمة معنوية، بل التزام قانوني مُلزم، يشكّل احترامه أساس استمرارية الثقة بالمحاماة ودورها كدعامة لا غنى عنها في ترسيخ دولة القانون.

