سريان لا بيزنطيون: أنطاكية الهوية وملكية الإيمان. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف بتاريخ ٢٣ تشرين الاول ٢٠٢٥ لسنا بيزنطيين الأصل ولا يونانيين الهوية، بل نحن سوريان أي سريان أنطاكيون، أبناء الأرض التي شهدت أول تسمية للمؤمنين بالمسيحيين في أنطاكية، حيث تبلورت الكنيسة الأولى بلسان سرياني وصلاة أنطاكية. هنا تكمن الحقيقة الأولى: أن المسيحية المشرقية لم تولد في القسطنطينية بل في أنطاكية، حيث اجتمع اللاهوت بالثقافة السريانية ليصوغ هوية فريدة

20/05/2026
IMG-20260428-WA0087

سريان لا بيزنطيون: أنطاكية الهوية وملكية الإيمان.

بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
بتاريخ ٢٣ تشرين الاول ٢٠٢٥

لسنا بيزنطيين الأصل ولا يونانيين الهوية، بل نحن سوريان أي سريان أنطاكيون، أبناء الأرض التي شهدت أول تسمية للمؤمنين بالمسيحيين في أنطاكية، حيث تبلورت الكنيسة الأولى بلسان سرياني وصلاة أنطاكية. هنا تكمن الحقيقة الأولى: أن المسيحية المشرقية لم تولد في القسطنطينية بل في أنطاكية، حيث اجتمع اللاهوت بالثقافة السريانية ليصوغ هوية فريدة.

ثم جاءت اللحظة المفصلية في التاريخ، مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م، حين انقسمت الكنيسة الأنطاكية بين من رفض قرارات المجمع وظلّ على تقليده السرياني، وبين من قبلها ووالى الإمبراطور، فسُمّي “ملكيًا” أي تابعًا للملك. وهنا تكمن الحقيقة الثانية: أن تسمية “الروم” لم تكن قومية بل سياسية، إذ ارتبطت بولاء عقائدي للإمبراطور، بينما الجوهر بقي سريانيًا أنطاكيًا.

لقد ظلّت اللغة السريانية لغة الريف والكنيسة حتى القرن السابع عشر، وظل الطقس الأنطاكي مميزًا رغم إدخال عناصر يونانية بفعل الظروف التاريخية. وهنا تكمن الحقيقة الثالثة: أن المظهر الخارجي قد يتبدل، لكن الجوهر الروحي والثقافي يبقى سريانيًا أنطاكيًا.

وفي العهد العثماني، أُدرج الملكيون ضمن “روم ميلليت”، ما عزز الصبغة الرومية الخارجية، لكن جذورهم بقيت ضاربة في تراب سوريا ولبنان والمشرق، حيث الكنيسة الأولى والهوية السريانية الأصيلة. وهنا تكمن الحقيقة الرابعة: أن الهوية لا تُمحى بالتصنيفات السياسية، بل تبقى متجذرة في التاريخ واللغة والطقس.

نحن إذن سريان ملكيون، لا بيزنطيون، أبناء أنطاكية التي جمعت بين اللاهوت والتاريخ، بين الإيمان والهوية، لتبقى شهادتنا أن المسيحية المشرقية ليست فرعًا بيزنطيًا بل جذعًا سريانيًا أنطاكيًا حيًا في قلب المشرق. والأرقام الناطقة بتاريخنا تقول إننا منذ القرن الأول الميلادي (١) وحتى القرن السابع عشر (١٧) حافظنا على السريانية لغةً وهويةً، ومنذ مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م وحتى العهد العثماني في القرن السادس عشر (١٦) ظلّ اسمنا “ملكيين” سياسيًا و”سريانًا” جوهريًا، لتبقى أنطاكية شاهدة على أن جذورنا أعمق من كل تسمية عابرة.

وهكذا، يبقى صوت أنطاكية يصدح عبر القرون: لسنا بيزنطيين ولا غرباء عن أرضنا، بل نحن سريان أنطاكيون، جذورنا في تراب المشرق، وثمارنا في الكنيسة الجامعة. نحن شهادة حيّة أن الإيمان لا يُختزل في تسمية سياسية، بل يتجسد في لغة الآباء وصلواتهم، في الطقس الذي حمل الروح السريانية، وفي التاريخ الذي صاغ هوية لا تموت. أنطاكية ليست ذكرى، بل حضور، والهوية السريانية ليست ماضٍ، بل مستقبل، لتبقى كنيستنا علامة أن المسيحية المشرقية هي قلب نابض في جسد العالم، لا فرعًا تابعًا، بل أصلًا حيًا.


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME