أنا محامٍ: النقابةُ عهدٌ واحدٌ فوق الانتماءات. أنا محامٍ. بقلم المحامي كميل حبيب معلوف بيروت في 2 تشرين الثاني 2026 ليست هذه صفةً أضيفها إلى اسمي، ولا باباً أطلب منه امتيازاً؛ إنها عهدٌ يسبق حقي ويُلزمني: أن أزن الكلمة بميزان العدل، وأن أرى في زميلي شريكاً في رسالةٍ لا يحدّها اختلاف الدين أو الرأي السياسي، ولا تنقص منها تباينات المنابت والمشارب

أنا محامٍ: النقابةُ عهدٌ واحدٌ فوق الانتماءات.
أنا محامٍ.
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في 2 تشرين الثاني 2026
ليست هذه صفةً أضيفها إلى اسمي، ولا باباً أطلب منه امتيازاً؛ إنها عهدٌ يسبق حقي ويُلزمني: أن أزن الكلمة بميزان العدل، وأن أرى في زميلي شريكاً في رسالةٍ لا يحدّها اختلاف الدين أو الرأي السياسي، ولا تنقص منها تباينات المنابت والمشارب.
حين انتسبت إلى نقابة المحامين، لم أخلع ديني ولا قناعتي السياسية؛ فهما من حريتي ووجداني. لكنني أدركت أن دخولي النقابة يُحمّلني واجباً آخر: ألا أجعل من قناعتي مقياساً لكرامة زميلي، وألا أطلب له حقاً بقدر قربه مني، أو أحجبه عنه بقدر اختلافه معي. دخلتُها محامياً بين محامين؛ يجمعنا القسم، وينظّم علاقتنا القانون، وتسمو بنا مصلحة المهنة على كل عصبية.
فالنقابة ليست جماعةً من المتشابهين، ولا ساحةً لتنازع الجماعات؛ إنها هيئةٌ واحدة تتعدد فيها الآراء، وتلتقي إرادات أعضائها على صون الحق والكرامة. ولا تكون وحدتها بإسكات الاختلاف، بل بأن يجد كل مختلفٍ فيها مكانه مصوناً، وأن يحتكم الجميع إلى قواعد واحدة، فلا يُعطى أحدٌ حقاً لانتمائه، ولا يُحرم منه لاختلافه.
وفي موسم الانتخابات، تُختبر هذه الوحدة بقدر ما تُختبر البرامج والأسماء. والانتخابات الجارية لاختيار أربعة أعضاء من بين خمسة عشر مرشحاً موعدها الثاني في الخامس عشر من تشرين الثاني، بعد أن لم يكتمل النصاب في الدعوة الأولى، وفق المسار الانتخابي المعتاد في النقابة. فانعقاد الجمعية أول مرة، ثم تأجيلها قانوناً عند عدم اكتمال النصاب، إجراءٌ معروف؛ لا يحمل في ذاته اعتراضاً ولا اتهاماً، ولا يصح أن يُحمَّل ما لا يدل عليه.
أما «الميثاقية»، فليست كلمةً تُستدعى لتوزيع المقاعد، ولا عصاً يُلوَّح بها في وجه مرشح، ولا امتحاناً يُطلب من المحامي أن يثبت فيه انتماءه. معناها النقابي الأرفع أن يكون كل محامٍ شريكاً كاملاً في الإرادة والكرامة والمسؤولية؛ وأن يرى في المجلس من يصون حقه، وفي الجمعية العامة مرجعه، وفي القانون ميزاناً لا يتبدّل بتبدّل الأسماء.
إن كانت الميثاقية تعني ألا يُقصى زميل بسبب طائفته، فهي حقٌّ أصيل. وإن تحوّلت إلى دعوةٍ لأن يُنتخب المحامي أو يُرفض بسبب طائفته، فقد نُقض معناها بالفعل الذي ادّعى حمايتها. فالشراكة لا تُصان بإعادة إنتاج الانقسام، ولا تتحقق بجعل الهوية شرطاً للأهلية؛ إنها تُبنى حين يُتاح لكل فرد أن يشارك بصفته عضواً كاملاً في جماعةٍ واحدة، وحين يُحتكم في الاختيار إلى الجدارة والسيرة والبرنامج.
ليست قيمة المجلس في أن يرضي حسابات الجماعات، بل في أن يصدر عن إرادة المحامين، وأن يعمل لمصلحتهم جميعاً، وأن يخضع للمساءلة. فالعضوية تكليف، وموقع المسؤولية خدمة، والانتخاب تفويضٌ محدود بغاية المهنة. ومن يطلب ثقة زملائه، فليعرض عليهم ما يريد أن ينجزه، وما يملك من خبرة واستقلال ونزاهة؛ وليترك لهم حق المفاضلة بلا ضغطٍ من خوفٍ أو عصبية.
وللنقيب عماد مرتينوس، وللنقباء السابقين، ولأعضاء المجلس والمرشحين، حقّ الاختلاف والنقد والتقييم. لكن مكانة المؤسسة تقتضي أن يكون النقد في مستوى المسؤولية: يسمّي العمل، ويستند إلى الوقائع، ويقترح ما يصلحه. فلا يفتّش في ضمائر الناس، ولا يتخذ الدين أو السياسة طريقاً إلى تجريحهم. احترام النقيب لا يعفي العهد من المسائلة، والمسائلة لا تبيح الانتقاص من المقام. بهذه القاعدة نحفظ للمنصب هيبته، وللمحامي حريته، وللنقابة وحدتها.
أيها الزملاء، لسنا جماعاتٍ تتقاسم هيئةً واحدة، بل هيئةٌ واحدة تتسع لاختلاف جماعاتها وأفرادها. وليس المطلوب أن نتنازل عن خصوصياتنا، بل أن نرتقي بها إلى تعاونٍ لا يُبطلها، وأن نجعل اختلافنا قوةً في الرأي والعمل، لا ذريعةً للتفريق. فالمهنة التي تدافع عن حق الإنسان لا يجوز أن تجعل هوية المحامي باباً للحكم عليه؛ والنقابة التي تجمع أبناءها لا يجوز أن تختزلهم في انتماءاتهم.
أنا محامٍ؛ لذلك أطلب أن يُسأل المرشح عن أمانته وكفاءته، وعن فهمه لمسؤولية المجلس، وعن قدرته على خدمة الهيئة العامة. وأرفض أن يُقدَّم انتماؤه على عمله، أو أن تُستعمل المقدسات في منافسةٍ على مقعد. لكل زميل حقه في إيمانه وخياره؛ ولكل زميل، في النقابة، حقٌّ متساوٍ في الكرامة والصوت والاحتكام إلى القانون.
ندخل النقابة مختلفين، لكننا لا ندخلها متخاصمين. تتعدد قناعاتنا، لكن القسم واحد؛ وتتباين اختياراتنا، لكن المسؤولية مشتركة. فإذا انتهت الانتخابات، بقيت النقابة لنا جميعاً، وبقي الفائزون مؤتمنين على حقوق من انتخبهم ومن لم ينتخبوهم، وبقيت المنافسة امتحاناً للبرامج لا للولاءات.
أنا محامٍ. أؤمن بأن النقابة تكون قوية حين تتقدم فيها الجدارة على العصبية، والواجب على المنفعة، ووحدة الهيئة على انقسامها؛ وحين يُقاس المرء بما يؤديه للمهنة، لا بما يُطلب منه أن يمثّل.

