لو عاد حمورابي إلى لبنان… لكسر مسلّته ورحل تخيّلوا المشهد. رجلٌ عبر أربعة آلاف عام من التاريخ، يحمل مسلّةً خُلّدت عليها واحدة من أشهر المدونات القانونية في تاريخ البشرية. يدخل لبنان، يتجوّل في مؤسساته، يراقب محاكمه وإداراته، يقرأ قوانينه وأنظمته، ويستمع إلى خطابات مسؤوليه

لو عاد حمورابي إلى لبنان… لكسر مسلّته ورحل
تخيّلوا المشهد.
رجلٌ عبر أربعة آلاف عام من التاريخ، يحمل مسلّةً خُلّدت عليها واحدة من أشهر المدونات القانونية في تاريخ البشرية. يدخل لبنان، يتجوّل في مؤسساته، يراقب محاكمه وإداراته، يقرأ قوانينه وأنظمته، ويستمع إلى خطابات مسؤوليه.
في البداية، قد يظن أنه أمام دولة مكتملة الأدوات: دستور، وقوانين، وقضاء، وهيئات رقابية، ونصوص تكاد تعالج كل شيء.
ثم يكتشف الحقيقة.
المشكلة ليست في غياب القانون، بل في غياب احترامه. ليست في نقص التشريع، بل في كثرة الاستثناءات. وليست في غياب النص، بل في تعدد طرق تفسيره والالتفاف عليه.
عندها سيدرك حمورابي أن أخطر ما يصيب الدولة ليس أن تفتقر إلى القوانين، بل أن تفقد إيمانها بها.
فالمجتمعات لا تستقيم بكثرة النصوص، بل بوضوح القاعدة وخضوع الجميع لها. وحين تتكرر الاستثناءات، تضعف هيبة القانون، وتتحول العدالة من حق ثابت إلى احتمال.
والأخطر من مخالفة القانون مرة، أن تتكاثر الاستثناءات حتى ينشأ، مع الوقت، قانون موازٍ غير مكتوب؛ لا تصدره سلطة تشريعية، ولا تنشره الجريدة الرسمية، لكنه يصبح مفهومًا من الممارسة: قاعدة واحدة في النص، وتطبيقات متعددة في الواقع.
وفي دولة القانون، لا ينبغي أن تتقدّم المعرفة الشخصية على القاعدة، ولا أن تكون الصداقة أو القرابة أو الموقع سببًا في اختلاف المعاملة. فالقانون لا يطلب من الناس أن يتخلوا عن علاقاتهم الإنسانية، بل أن يحولوا دون أن تصبح هذه العلاقات معيارًا للحق أو وسيلة لتجاوز القاعدة.
وهنا لا تعود المسألة مسألة أشخاص أو طوائف أو أحزاب أو سلطات، بل مسألة دولة.
كيف يمكن لوطن غني بالنصوص أن يبقى فقيرًا بالثقة؟
وكيف يطلب من المواطن احترام القانون إذا شعر أن تطبيقه ليس واحدًا على الجميع؟
هذه هي الأسئلة التي كان حمورابي سيطرحها علينا.
فالدول لا تسقط عندما تعجز عن كتابة القوانين، بل عندما تعجز عن تطبيقها. ولا تضعف المؤسسات عندما تشحّ النصوص، بل عندما تصبح المصالح، أيًّا كان مصدرها، أقوى من المبادئ.
مأساة لبنان ليست أننا لا نعرف طريق الدولة، بل أننا نعرفه جيدًا، ونتردد في سلوكه.
ولو وقف حمورابي اليوم، وتأمل المسافة بين النص والواقع، وبين الحق وتحصيله، وبين القانون وتنفيذه، لربما فعل أمرًا لم يفعله طوال التاريخ:
لكسر مسلّته ورحل.
لا لأن القانون فشل، بل لأن قيمة القانون لا تُقاس بما هو مكتوب على الورق، بل بما يُحترم ويُطبَّق في الواقع.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يؤرقنا جميعًا:
هل نحتاج فعلًا إلى قوانين جديدة، أم إلى شجاعة تطبيق القوانين التي نملكها؟
بقلم المحامي
كميل حبيب معلوف
في ٢٦ أيلول ٢٠٢٦

